الكاتب: هاشم شلولة
أضيعُ وحيدًا، وأغرسُ في الوسادةِ وجهي كتعبيرٍ عن رفضِ النوم لي أنا الذي يتآكلُ داخلي بفعلِ تداعيات الأرق، أسمعُ صوتَ عقلي وهو يُمضَع كما يسمع الحدس صُراخَ رغبتي بالكتابة. أنا الوحيدُ الآن بين الشموع وظلال فاجعةٍ تركَتْ في روحي سرًّا شوَّهني، نصفُ أمومةٍ وجواب؛ لا كلمة فيه سوى آثارٍ لدموعٍ ناشفة. أرتجفُ ويهتزُّ جسدي كُلِّه.. لأنَّ صورةً من زمنٍ مضى مرَّت من أمام عينَيّ كأنَّها قَبضةٌ لكمَتْ موضعًا حسَّاسًا في جسدي. أنا غريقُ الصِّور وأغنية التلاشي المُزعجة.. كيف أختار ما بين الفَزَعِ وصمتٍ أريده؟. كيف أرتِّب وجوهي العديدةَ حسب ما تريده _وجوهي_ من حصةٍ لإثبات خيريتها؟. أنا المُختفي بدقَّةٍ بين وجوهي، أتوسَّلُ للغة بأن تُخصِّص لي حزنًا أوضح فقد استنفذني الغموضُ كما تفعل الذاكرة عند مَطلع كل ليل، وكما تتعب الآمال الميتةُ من إعادة إحياءِ نفسها. كُلّ ما بي يصرخ حتى أصغر أصبعٍ في قدمي لأنّي أدركتُ لاجدواي ولا جدوى الحياة والموت، الفلسفة، الأمل، الوهم، الحقيقة، المحاولة... كل ما هنا غير مُجدٍ، ويجعلني أشعرُ دونما شكٍّ أنه ضدّي أنا الحاضر جنازة ترادُفي مبكِّرًا؛ بينما كان الناس جميعًا مُستغرقين في نومهم وأحلامهم. نضجتُ مبكَّرًا للحدِّ الذي فقدت فيه مجمل مشاعري ناحية كل شيء، لم أعُد هذا الفضوليّ الذي حَفِظَتْ نوازعَه الفصول، وابتسمَتْ لأفكارِه الدنيا.. فقدتُ أدوات التمدُّد والتقلُّص، صرتُ جامدًا وحيدًا فارغًا صامتًا..
لا يفعل شيئًا سوى عادة انتظار نبوءة الختام التي يشترك فيها مع البحَّارين والآباء العرب الذين كذَبَتْ عليهم بداياتُهم. أنا الذي غادر جميعَ البوابات دون أثرٍ، ودون أن يغلقها مما سهَّل على الألم قصَّ أثره وتتبُّعه. لا أدوات لي لأواجهني وأقداري القاسية؛ التي أشعر دون توقُّفٍ بأنَّها تنتقمُ منّي شرَّ انتقامٍ رغم ثباتي المُفتعَل؛ المُحافَظ على افتعاله وخُلُوّي من الخطايا الكبرى... لم أخُن يومًا فكرةً لكنّ الأفكار جميعها فعلَتْ ذلك وفي أشد مواضعي حساسيةً وتعذيبًا وندم... تُرِكتُ مدفونًا في جسدٍ هزيل مُطعَّم بالأدخنة ومُضاعفات الاكتئاب، لا أستطيع الإفلات من سعار القلق، ولا نَهْش الوساوس لاستقراري الذي أفنيتُ عمري باحثًا عنه لكنّي في كُلّ جولةٍ؛ أخسرُ الرَّهانَ، وأظلُّ مُتعبًا، غير مُستقرٍّ وخائر القوى.. أتأمَّلُ كُلَّ شيءٍ بقرفٍ شديد، وأسكتُ كأنِّي أخرس. لا أسكتُ طوعًا ولكنَّ شراسةَ ما يحدث هنا؛ تبتلع لغتي بفمٍ فاغر ومسعور وجائع.
أسقطُ في الجحيم للأبد؛ دون حُلمٍ بما سواه.