الكاتب: هاشم شلولة
ليس بمقدورنا التملُّص من الدور الناشزِ فلسفيّّا، والذي منحتنا إيّاه الحياة في مسرحية النقيضيّن _وجود ولا وجود_ قلت وداعًا للحياة عندما أدركتُ وداعَ العجوز الرومانيّ النزق "سيوران" للفلسفة، وبكيتُ يوم استدرجني "كانط" إلى رحابه الممسوس باللاإنسانية مَسَّ الجنون.
من الأكيد أن الفلسفة تمتص الحياة من دواخلنا بشكلٍ مُفزِع كما تفعل الحياة وقتما تمتص ذاتها من الأنفُسِ والثمرات، وكما يفعل الفن والانسياب والنوافذ المفتوحة... وقد انتبهتُ لذلك؛ فور عراكها الطويل _الفلسفة_ مع الفن، هذا العِراك الملحميّ والجدلي والمفتوح... الذي شدّني من ضفيرتي نحوه، كيّ أكون واحدًا من أهل هذا البيت المُهسترين الصغار، وعديمي الخبرة.
هي الاختيارات التي تخون دائمًا، وأكثرها تلك التي انتزعناها انتزاعًا بخلفيّةٍ ثورية على أرواحنا، قبل أن نثور على أهالينا ومجتمعاتنا ومرايانا، لضرورة الهياج الفلسفي الدميم؛ الذي لو كان النقيض، لعَبَرنا إلينا أو إلى صورةٍ منا على الأقل.
هذا المدى البارافلسفي طويل المدى، وغير السلِس، المُلتبِس والصامت بحساسية، يُشعرك بحُسن السيرة التي قد يمحنك إياها؛ يعرف جيدًا دناءة الدخيلة ومقدار النزيف الذي قد تنزفه الخيول على حين رحلةٍ مشوهة بين الأسارير العريضة، التي يستجذبك زخمُها الطويل؛ هذا الزخم الذي منحنا إياه رماد جسد "جوردانو برونو" بعدما أحرقته أطرافٌ مُصابة بملاريا المناهج، وحصافة العقائد المغشوشة.
هل أقول بعد ذلك أن الصدق مسعى أيتها الفلسفة أو طريق؟ هل كان يجب أن تكون الرحلة دائرية كيّ تُسقِطنا في مركز الوهم منذ أول فتحة قميصٍ لمواجهةِ ما هو كل شيئ سوى أنه خصيم؟.
الواجب الذي لا بد من تأديته؛ هو أن نستطيع ابتكار الحيل، والصِّيَغ؛ للوصول إلى مِربدٍ سقطنا فيه ذات مرة_ أن تكون المرة، واحدة من تلك التي مشَّطنا فيها رؤوسَ ذئابٍ كانت صغيرة، وتحمل على أكتافها أسماءنا. الواجب انتهى قبل بدايته، كالفرض وقانونّ دقت مساميرَه الحريةُ المنشودةُ بمجهوليتِها في نعش الحرية المنشودة بجوهرها؛ كي لا نصل.
وعلى ذمة الفلسفة؛ يخبرُنا الوصولُ بأنَّ الأماكن التي ولدنا فيها، خلعَتْ أبوابَه، كما يخلع الرّافضون الوقتِ سُتراتَهُم أمام النواقِصِ ومرأى الثقوب. أنقول تعبنا كردّةِ فعلٍ تأخَّر التصريح بها، أم أنَّ المواعيدَ لا زالت تستثني نواطير الحقيقة؟