الكاتب: هاشم شلولة
كرهتُ كل شيء، كرهتكم جميعًا بأنواعكم وأفكاركم وألوانكم وانتماءاتكم.. كرهتُ حقيقتكم، وما أنتم عليه وراء الكواليس.
إنها افتتاحية عقلي حين أفتحُ عينيَّ، وأنا مُلقى صباحًا على ظهري فوق السرير.. هذا الذي أُدرِك، وما سأظل مدركه إلى أن تخدمَ أجنحةٌ قُبَّرَةً.
أصواتكم مُزعجة، عالمكم مقرف، صوت مطارقكم الذي يُدَق في رأسي ليس هذا الصوت البروليتاري الذي قد تستثقله لكنك تحتمله.. إن ذلك خطأ كبير، لأنني أشعر بأنها ضوضاء تتعمَّدُ ترتيب الفوضى في الرأس التي لا تحتملها.
العاشرة صباحًا وقت استيقاظي المُعتاد من النوم بعد مذبحة أرق امتدَّت حتى السادسة والنصف، أموت خلالها وأحيا وأُنسى وأغرق وأُنقَذ وألتاع..
أظلُّ كذلك إلى أن تُطفِئني قصيدة فأنام..
بعودةٍ دائرية إلى العاشرة.
اليوم ولإنه يوم إجازة؛ لم أستيقظ على صوت المطارق ولا صراخ الجيران ولا صوت بائع الخضار الذي يتجول بالعربة في الشوارع، وينادي بمكبر صوت يوقظ الميت، وليس النائم فقط.. أيقظتني الأحلام المُزعجة أو أيقظني صوت ضحكي المُرتفِع كما يرى سيناريو الحلم
(هل أحرس أحلامي المُزعجة؟)
كنتُ أضحكُ من قلبي، وفجأة سقط عليَّ سقفٌ لا تستطيع القبض على طوله أو عرضه.. حوّلني لجزءٍ من الأرض، ساواني بها.. كنت شخصين، واحدٌ دُبِغَ في الأرض _والآخر الذي هو أنا_ يشاهدني عن كثبٍ ويضحك بصوت مرتفع.
فتحتُ عينيّ، كل شيء أبيض غامق حتى مشاوير الأمس انتصرَتْ على الذاكرة القوية المحشوّة بالأمس.
سؤال طويل تعربشَ كل شيء.
هل هذا الجحيم أم أنه طُغيانٌ لقصائد لم تُكتَب؟
_بقينا نسمع شهيقها (القصائد) وهي تفور، حتى انفجرَتْ لتقذفَ حُلُمًا.
(ذات مرّة؛ أخبرتني عاهرة عرفتُها على مضصٍ أنَّه من الواجب تربية أحلامنا لتكبُر، وتقدم العون لرغباتنا المكبوحة والمؤجّلة.. كنتُ أفكّر بالانتحار طوال الليل، وحينما نمت، انتحرتُ في الحلم بأبهى طريقة؛ تعاطيتُ كمية كبيرة من الأفيون وألقيتُ بنفسي من أعلى بناية في المدينة؛ كنتُ مُستمتعة وأنا أشاهد موتي)
قفزَ إلى ذهني حديثها لأنني قبل أن أرتكب فعلة النوم الشنيعة تمنيت الموت نائمًا، وأن يسقط عليَّ سقف طويل بموازاة جسدي؛ كانت استجابة لاوعيي لذلك فظيعة لدرجة الارتباك.
حدث ذلك كما تحدث محاولات الأمل.
الأمر مضحك ومريب ومحزن ومثير للشفقة، وغير خاضع للجاذبية كغرفة أحد أصدقائي التي كنتُ أمارس فيها الحق العام لرأسي.
هلاوس.. صمت
لستُ بقادر على الاستيعاب.. أين كتابي؟
بالأمس كنتُ أسير وحيدًا سكرانًا، أترنح وأغني بصوتٍ عالٍ في الشوارع الفارغة، وقد أخبرتُ روان بأنَّ منظري كان يشبه منظر محمود عبد العزيز في فيلم "مكتوب على الجبين" حين فقد عقله، وذكرتُ لها عبارته الشهيرة: "يا بتوع الطب، دنا عايز تورولوب". استرجاعٌ لوجهي، لنبوءة النار الحمراء الملتهبة التي تحوّلت لزرقاء.
الحلم يا ماما تغذّى عليّ، أرعبني..!
خائف لكنّ الحقيقة أكثر خوفًا مني.
نافذتي اللعينة/ مصباح الغرفة الذي فقد صلاحيته/ كُتُبي التي في كل مكان/ صوت الله والطبيعة والموت، صوت حلمي الذي يشبه صوت تروس الآلات العسكرية القديمة.
آه لم أعُد أستوعب!
الهاتف العمومي مُعطَّل وفقدت التواصل كما فقدت الوصول.
أختنق، غير قادر على احتمال كل هذا، رأسي يؤلمني، وما من شأنه أن يوقف الألم غاب، وحلّ محلّه فورة الثائرة التي تفور بين الفينة والأخرى كلّما غزاني كابوس أو نية بحضور فيلم أو مرور من شارع سرق وجهًا من وجوهي العديدة.. ربما لم يكُن موجودًا أصلًا.
أعودُ إليَّ بسَقطات الأبجدية وأعرف الحقيقة لكنّي لا أتجرَّأ على أنبس بشقِّ كلمةٍ من الكلمات التي تشبه هذه الحقيقة. وإن كان لا بد من ذلك وفق ميثاق إنساني فأنا مشوش ومقهور، كنتُ باستمرار أهرب من وجهي، أبغضه وأقسو عليه، لأنه أول دليل يوصلني إليّ.. هو سَطح معرفتي، هو أنا المرئي الذي يعرفه الناس كما تعرفه الأخطاء والأسقُف البالية..
كان علينا أن نتأخَّر، أن نكبر في العمر أو في الحكمة لنرمي أنفسنا في هذه الهاوية. إن محاولات معرفة الإنسان لنفسه في البداية أشبه بالذهاب صوب المُطلَق، اللانهائي الذي اعتزل الوضوح منذ أول انطلاقة للصفات ابتكرها التكوين..
الأحلام تلاحقنا كما يفعل واقع مخمور يشبهنا، كوجودنا لذاته وفي ذاته (كما هلوس سارتر ذات مرة).
مرآة ذات خدوش؛ حطمها هروبي من أمامها..
مُتعَبٌ كأنَّ الأرض سؤال، والسماء قطعة قماش سوداء _كلما رفعتُ رأسي أرى سواد.. سواد محض_
"مهجور كغرفة حارس الأوقات"
لا أستطيع الاستفهام عن محتواي، وما يحدث في كياني كاملًا من استفحال للجروح والآلام وفقداني الطويل والممتد لتوازني.
حدث كل شيء الليلة وصباحًا، وفي الوقت الذي كتبني، وبصمت.. بصمتٍ فاجع أشبه بالتَّأريخ.