التخطي إلى المحتوى الرئيسي

استدراج رمزية الحرية لنا

 الكاتب: هاشم شلولة


من الطبيعي أن تستدرجنا رمزية الحرية، التي تأخذ في غالبية أسس أشكال تكوينها الطابع النظري، الذي يتقاطع مع مجموعة كبيرة من مشاهِد التطبيق، لهذا فإننا نظل نحفرُ في الصخرِ بإبرة الفن علّنا نمارسها ولو حُلُمًا، دون أن نلامسها. كلّما قطعنا ثلة من الخطوات، حملقنا في أسقفِ غُرَفِنا، وسألنا: أين الحرية؟.لكن، هيهات فأين الحرية عزيزي برغسون الحُر!؟ 

من أهم أسباب هذا الاستدراج المركَّب وصعب المراس والمزاج؛ أننا ودون أن ندري، نولد موتى ومسحقوين. كمُحَصِّلة لذلك؛ فإننا نلجأ إلى أُمُّنا الحرية رغم احتمالية تأكيدها، وثنائياتها العديدة، وتشوهاتها ومدى صدق أمومتها التي ننشد... نريد بذلك إخبار العالم والكون والإيمان.. أننا أحرار، وأنَّ الحياة ليست مِنّة علينا، وندفع ثمن ذلك موتًا، وهذا هو.. هذا هو بالضبط ما يحدث، وما تقوم به أبدية أسباب الحرية الطويلة والممتدة على ساحل إنسانيتنا أولا وأخيرا وفي كل وقت.. موتٌ مستمر، ورغم ذلك لا نصل. 


استدرجتنا رمزية الحرية حقيقة وليس كذبًا، والوهم يشهد ذلك بصيغةٍ فلسفية قد تكون متناقضة مع مستوى تماهينا مع الحرية واتصالنا بها ومستوى مجهودنا الذي نبذله في سبيل ملامستها، أو حتى التعرُّف عليها.. لأنها باتت مجرد شَبَهٍ حالمٍ فقط، يتكتم هذا الشبه كلّما نوى الإفصاح عن فضيحة وجوده؛ ليخفف عذاب ضميره من تحوُّل صورة الوجوه الرمزية الخاصة بالحرية إلى مشهد معقَّد ومُستدرِج. 

برأيي أنَّ الحرية بمفهومها في ذهن الإنسان هنا، والبحث عنها والطرق المؤدية إليها... هي كلها تشترك في التلاحم الضدّي أمام رغبتنا بأن نكون أحرار، وتحول بيننا وبين الشعور المجرد بالحرية، هذا التجرد هو المستوى البديهي المحدِّد لنسبة إدراكنا للحرية، نصبحُ ضالين، ونصدّق هذا الاستدارج بحواسنا؛ لاستباحتنا مسبقًا من كل ألوان سلب الإرادة، والضعف والانكسار الانساني المحموم واللامنتهي.

لأجل ذلك؛ نلجأ إلى الحرية لنبحث عنّا وسط ممالك النمل هذه، والتي فقد أفرادها شخصياتهم وتصوراتهم ومحاولات وعيهم أو انتباههم لأي صيغة بدءً بالإنسان، مرورًا بالأفكار انتهاءً بالحرية، والتي تُشكِّل القيمة المُثلي على جدول قيم المثالية، والمثالية التي أقصد، الخارجة عن طوع الإطار العقائدي أو المؤدلَج. المثالية التي يكون عنوانها الإنسان كتعريف وتجسيد ومعنى. أدَّت قلّة الحيله هذه تجاه تكوين فردية سليمة وحرة إلى الإنزياح ربما التلقائي وغير المُنتبَه له نحو عمومية خطاب الحرية، وارتباط الشعوب بها، والثورات الكبيرة التي حدثت في خضم تحقيق الحرية؛ خير ما يؤكد هذا الإنزياح مما سهَّلَ عملية إلغاء الفرد من حسابات الحرية كمطلب شرعي ودقيق لذات الإنسان التي أعتقد أنها تشكَّلَت مقيّدة بكافّة معاني الوجود الفعلي للقيد. ومن لا يكون جزءً من هذا الإنزياح أو يفكّر حتى بالسؤال حوله ولو بصيغة ما بعد يقينية؛ يتم تشويهه ويصبح آلة للألم والضياع الفكري والنفسي. 


ربما يكون الفن قد جمَّل هذه المأسأة، لكنّه لم يستطع إخفاء جوهر حقيقة هذا الألم، ولم ينزعنا من ملامسته التي تُفرَض قسرا علينا خلال مسيرتنا الطويلة في ساحات تحقيق الحرية كشعور مجرد، وكقيمة نابعة من أصل الذات ومعناها.. بالتأكيد لن يحدث ذلك؛ لأنَّ مدارِكِنا ارتبطَتْ ارتباطًا قويًّا يصعُب فَكِّه مع الضمير "نحن" وهذا مؤسف!.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...