الكاتب: هاشم شلولة
إنَّ صوتَ المطر، وهو يسقط ثمثيل لرعاية كونية تخص الحواس، وتُشعرها بلافردانيتها حين تفقد كل الحصون، أشبه بمجموعة أيدي تلفُّ تاريخ الإنسان الطويل المُعبَّق بفُسحَة الترك والانعزال وحقيقة أنه وحده تحت السماء. رعاية قد تتجلَّل بالإحاطة الحامية، التي تضرب جذور الجفاف الأبدي الطويل. تُبلَّل الأحلام، ومن هذا البلل تأخذ شرعيتها الساخطة على العدم الذي يطول اتّساعًا مفقودًا، نفني حيواتنا بحثًا عنه لنغفر ما ارتكبته الأسماء في الأفعال، والأحداث في مُحدِثيها، والأزمنة في أقدام سيرها نحو صفاتها وسعيرها ونعيمها.
الحنين الذي يخوض معاركًا مع قطرات الماء المنسية في حضن أوراق الزيتون التي تكون في حراكٍ دائمٍ مع نافذتي؛ لتتدلى فتصدها النافذة، هو الحنين الساخط الناقم والقوي الجبار على عكس ذلك الحنين الذي قرره الفن، وفعلته قصائد الشعراء الكثيرة التي قالت الحنين، ونثرته في هواء العالم كالرذاذ.. الحنين العنيف الذي تسهّل ماء السماء طريقه من حيث ينطلق من قلب من أحببنا يومًا وعشنا سويا عشقا حلوًا كان الشتاء هو الشاهد عليه، ومن يعطيه حق أن ذكرى وتذكرة عبور للحدس والنص والصورة والسيرة حين تتلى ونحن نتحوّط المواقد التي تحرق نارُها وجوهًا شاركتنا هذا الاجتماع البدائي البدويّ الذي يستصعب فكرة انسحابه من الأذهان حين يُدلي الأحبة بشهاداتهم على ارتجالٍ كهذا.
الاستحضار، نحو تجسيد قويم وثقيل وكثيف ومختزل للثرثرات التي كُنّا نثرثرها معًا سواء كانت هذه الثرثرات تحت القرميد القديم الذي يُعيد في ذهنك مفهوم الخيال والحياة الأولى، أو على الهواتف حين كنّا نجري مكالمات عملاقة تمتد على سواحلِ ليلٍ شتائي طويل وغير بصير أو مدركٍ لطول الوقت من حلاوته، أو تحت ألواح الزينقو عندما كان يجلس جدّي وحوله العائلة بأكملها، يهيمون بالقصص، ويجودون بالسيناريوهات المُجلّلة بالأساطير اليومية والماضية وربما المستقبلية لكنّها لا تخرج من إطار كونها قصة.. هذا الاستحضار الفائض بالنكهات التي ترقص رقصًا حرًّا على مسرح الحواس، واسترداد التواريخ المُجهدة والحزينة.
نجلسُ تحت الأسقُف، وما هو غريب هنا، هو أن الجلوس تحت الأسقف بينما السماء مشغولة بالتساقط العذب والمنساب يمنحك شعورًا بالانتظار، الانتظار لما هو مفهوم أو معروف أو ملموس أو موصول إليه برغبة، تشعر أن الحياة جديدةٌ عليك، وهي حياتك التي تعرفها منذ، ليست الأخيرة ولا الأولى، لكنّها تلك التي تختص بالسقوط والسقاية والابتلال الحميم والذي كنت في غفلةٍ منه إلى أن أعادك إلى نعتٍ كنت تحمي نفسك من سكون نقيضه. تُستصيغُ سماءً جديدة تُعلّمك حرفة الاقتراب من النبأ وحياكته بالملمس الذي تريد، والمخيال الذي به تختال وتُغتال شعرًا وفنًا وترقص روحك في ظلاله. كان ذلك شتاءً وشتاتًا وارتهان عطشك بما فيه من التسامي الكبير عن العطش الجريح الضحل المرتاب...
كان شتاءً ملفوف الصدر بوشاحٍ من الأحزان العذبة، وتلك هي الحالة التي ينظّر لها الشتاء وكيفية تبديده، وانتشاره في الأنوف والأفواه انتشارًا حرًّا؛ لكيّ تكون أنت الذي هو الواحد الشاعري الشاهر فوق كل هذا الخراب عزلته وحزنه وقصيدته المُبلَّلة بالماء والروائح والانبهارات التي تؤدِّب المنبهر شعرًا ورواية، ومن الصفات والنعوت الاعتزال بطوله وعرضه وخفّته وثقله.. الشتاء وبعد الفعل (كان) هو خطاب المستقبل الذي تبنيه رؤسنا المزدحمة بالمفردات والجُمل التي تصبُّها يدُ السماءِ فيها برفق وعذوبة وغضاضة. عرفنا الشتاء كثيرًا وقديما، وحين أشعلت أولُ استعارة فتيل تجسيدها لتكون حصة من حصص ملحمتنا الغنائية الأبدية التي تدرأ عن خصرها الأثقال وتسقي صياغتها كما تُسقى في الشتاء الأنفس والخُضرة والجبال.