الكاتب: هاشم شلولة
يفكر الإنسان ربما ليصنع حياة، وربما ليعرف أن استحالة ذلك أمر ممكن وغاية ما قد يحدث.. مثلما يكون الحب والتفكير فيه، المفارقة أننا نحتاج كلاهما (الحياة والحب) ليكتمل ترتيب السؤال ومرئية البحث عن الإجابة في خضمِّ ألمٍ طويل يقود أقدامنا للسعي حول المتناقضات وفيها.. بحثًا عن جوهرٍ لأحد المفهومين؛ ففي غيهبٍ موازٍ لما هو غائب من كل هذا الوضوح السريق من غموضٍ مقطوع الأذرع، تكون الحياة هبة الموتى والحب هبة الصارخين من وحدةٍ أزلية تمتد على مدار الضفاف.. لهذا يستمر البحث المعجون بالصرخات، وتستمر حدقات عيوننا في الاتساع دهشةً وحزنًا على مآلات سعينا التي دائمًا ما تنتهي بخيبة مفتوحة الاحتمالات والرجاء بالخفة، فكل ما ينبثق ثقيل وأهوج ولعين.. لماذا يحيا الإنسان؟. لا أستطيع الاعتراف بلاشرعية السؤال أو مشروعيته، لأنَّ السؤال عن تلك الإزدواجية الجناسية ذاته غير مشروع، وكذلك سؤال لماذا يحب الإنسان؟.. فالمفهومين ليسا فنًا أو إبداعًا أو اجتهادًا، إنما حاجة تُربِكها الرغبة لتصبح الحاجة الأكثر نزقًا عندما تحتاجها الرغبة؛ فحاجة الرغبة استقتال يقود إلى اللعنة والتكسُّر لكل ما هو روحاني حتى لو كان مُتخيَّلًا، والمفارقة الأخلاقية ربما والخاضعة لاحتمال اللاأخلاقية الأكبر؛ أنَّ كلا المفهومين يؤسسان للروح ويمنحاها صيغة وجودها الأكيد وربما المتكدّر من كونه محتمل الوجود..
هذه المتاهة التأملية التي لا ترضى أن تكون متاهة بقدر ما تحتاج أن تكون وضوح مدفوع الألم في شهادة ووعي وعقل وتراث الإنسان.. لا تؤدي دورها كمتاهة حتى يشعر الإنسان بضياعه لأجل نُبلٍ يجري البحث عنه خلال سير العمر الأشبه بسيلان الدم من مناطق متفرقة من جسد أو كلمة أو إنسان أو حتى شجرة... فكل صامت وثرثار وما بين بين... يُسخّر نفسه ليشعر بلمس جوهره؛ هذا اللمس هو إثبات أن الحياة مستمرة، وقد تكون موجودة ذات نزعة من نزعات الانتباه الصريح، على الأقل تنبُت فِعلية ضياع مقابل حياة، لكنّ المرير والساخط هنا أن الضياع ربما يكون مقابلًا لاحتمال (احتمال لا يستطيع الإفلات من ال_ربما) لهذا؛ الأمر يشبه ساحل بحيرة ينقص كل يوم؛ لأنَّ الماء يزحف، وينال من حقيقة رمال الساحل التي كانت تساعدها الشمس على التماسك، وتمكِّنها الماء من هذا التماسك في طبيعة السير الزمني لسردية الماء والرمل.. حيث ماء مقابل يَباس يأخذُ نصيبَه من الجسارة، لكن في الحب والحياة.. تضيع أنت وتسحقُك الماءان؛ فتتفتت وتذوب إلى درجة الاختفاء الأكيد وصولًا إلى رتبة الصفر المسحوق أو ما بعده أو أبعد منه.. لأنّك ساحلٌ تقهره الماءُ فقط، ولا يسعفه الفن أو تتسمَّر شمسٌ لتُيَبِّسَ بَلَلَه.