الكاتب: هاشم شلولة
أُناسٌ فقدوا القدرة على النظر، والملفِت أنَّ عيونهم سليمة، طفلان بجانبي وأنا أجلس على الرصيف؛ أحدهما يجمع الطين ويهشمُهُ، وقد أعادني ذلك إلى شقاء عمِّنا العزيز عزازيل وهو يعبث بالطين الآدمي حين بدأ الله بنحت أبينا، الطفل الآخر يربطُ قطعة من الحديد بحبل متين وربما سلك يضربُ بها الأرضَ ويرقص ويركض ويضحك... في مساحة لا تتجاوز المترين، وقد تذكرتُ أحد أصدقائي وهو يقول: "إنّه نصيبنا في الرؤية من المكلبة" ضحكتُ بتثاقُل، وحرفتُ نظري صوب ناحية أخرى فوجدتُ ثلاثَ نساءٍ؛ واحدة تضع النقاب وتُبرِز مؤخرتها من خلال عباءتها الضيقة، شعرتُ لحظتها بالشفقة الملوثة بملوحة الاعتراض، والأُخرتان تقفان بجانبها؛ إحداهنَّ تبدو كمُهرِّجة من شدّة وضوح الطلاء على وجهها وغماقته.. أما الثالثة فقد كانت تُطيل النظر في سيدة يبدو أنها برجوازية ترتدي بنطالًا، وتسير إلى جانب زوجها، كانت تُعبِّر بهذه الإطالة عن الندبة من خلال يدها حين ترتِّب خُصَلَها التي حررت نفسها خلاسةً من قبضة حجابها الأسود.. كان سؤالًا وحيدًا ومُلِحًّا حول توزيع صفة الله على الناس، واستخدامها من قِبَلِهم وهو.. كيف من الممكن أن تأخذَ فكرةٌ ما؛ كل هذا البروز الهستيري بعد نقشها؟. عقب السؤال؛ عاودتُ الضحكَ بصمتٍ وحذر حتى لا تلتقطني عينٌ أو تؤنبني خطوة، قلتُ في نفسي: "مجموعة حشرات تتعارك مع اللون" راجعتُ نفسي متخيلًا حجم مستشفى للأمراض العقلية، واستحضرت اسم مجرّة درب التبانة لدى هنود الشيروكي وهو "حيث ركض الكلب" ولفظها لديهم "غي لاي أوتسون ستانون ياي" حسبما قرأتها في أحد الأماكن.. لهذا؛ لم أتردد في تسمية مستشفى المكلبة للأمراض العقلية مع التحفظ الكامل على سلامة الكلاب من هذا التشبيه السام والمؤلم لجوهر التصاوير المُلصَقة بالتكوين.. قلتُ وقد دُغدِغَت مناطق استيعابي "هُمّا هيك بدهم" وأكلمتُ توزيع عيوني، وقد كان الشيطان الدافئ في بدني يرقص فوجدت توليفة مضحكة إلى حدّ الحزن.. رجل بدين يأكل ساندويشًا ويصرخُ بصوت اختلط بصوت المضغ: "أبو جابر يا ابن الشرموطة هات..." فقطع صوتُ سيارة قديم تكملة كلامه/ ثرثرات متقاطعة ومتداخلة نحو "جيب كاستين، حلّ عن ربي، عليَّ الطلاق إنّك بتقهر بتدخن رويال وبتشحد مني.. كسم عادتك الوسخة"/ بائع ذرة يجلسُ فوق العربة ومشهده في ذهني ارتبط بمشهد تحويل القس الشاب إلى رجل يتبع ديانة السيخ في فيلم the silence/ ضحكٌ كان سيثيرُ خوف شيوعي سعدي يوسف الأخير لو لم تكُن وجهته عمان مستبدلًا إيّاها بخانيونس.. وقد تثاءبتُ مُكملًا دورة اكتئابية أقل ثقلًا مما سبقتها، واللذيذ فيها أنَّ العنوان غير أخلاقي حين يكون الاكتئاب فنيًّا والواقع يرقصُ على عُجالة كأنّه ضوء شمعة.. كان الليل بعيدًا، وتلك أيضًا عادة كانت تتآلف مع الشاعرية حين كان الليل دخانيًّا وربما سرابيًّا لكنَّ الهِمَم مقروءة النصيب المتكدِّر وأكثر تراخيًا وأقلّ تماسكًا.. لذا؛ كان انتظار الليل في المكان أشبه بترويض كلب على قضاء حاجته دون أن تتسخ الأفنية.. أكملتُ التأمُّل فباغثني اتصالًا يقايض الرغبة على رغبتها في نفسها أو تخلُّصها من فكرة المشهد كاملًا.. غادرت المكان وركبتُ تاكسي، وكانت عبارة ترنُّ في رأسي كجرس كنيسة مضمونها: "أحبُّ سائقي التاكسي؛ لأنهم ينقلون الناس إلى مصائرهم" ومضيتُ إلى مصيري ساكتًا دون أن أحرِّك لساني، ولو عفويًّا حتى لا تتحرك الجمرة في فمي، ومضيت.. مضيتُ إلى مصيري.