الكاتب: هاشم شلولة
الجدارية" أوضح تجسيد لمرض درويش باللغة، وارتباك علاقته بما تلامسه حواسنا كبشر، وغموض عالمه النفسي..
درويش نبيّ بدأ من حيث انتهى ميلاده، وكان غُلامًا صالحًا كالشيطان، الذي مزّق العدم، وشفعَتْ لاسمه الثورة. لم يسامحه الله لكن الجدارية صلاة، قد تغفر له ذنبا في ملحمةِ التكوين القائمة قيامة السؤال في صدر القصيدة الدرويشية العملاقة، والتي أعتقدُ بها مدرسةً شعرية استثنائية تؤكِّد على فضفضة الفن واتِّساع صدره، وإثبات أنه كزُرقة السماء واضحٌ ومريح للنظر.. درويش حَقَنَ جسدَ الكلمةِ بجرعةِ الليونة، وأسس مذهبا قويمًا وعملاقًا جديدًا للانصهار في التركيبيّن السماعي والمقروء للقصيدة، وتوافق الكلمة مع الصوت، كما ستجد ذلك بداخل الجدارية، اتصال رهيب بين حركة الشفاه والمكتوب. درويش جبار وشخصية مركبّة وعبارة عن طوابق، هذه الطوابق انهارت على مرتيّن؛ الأولى في "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟" والثانية في "الجدارية"، حيثُ قلق درويش العذب، وحضوره المُلتبِس في المشهد الإبداعي بعموم تشكيلاته. درويش كان كمن وقف أمام القومِ في وضح النهار، شمّر عن يديه وقال متحديًا بعبقرية قصيدته: من أراد أن يتلاشى أو يذوب؛ فليلحقني وراء هاتيك الهضاب.. لأنه يعلم كما يعلم كل مَن أحَبَّ المجاز الدرويشي، أنّه شيخٌ حكيم وعاقل وذات رسالة كبيرة وضخمة، يعرف كيف يجعل من اللغة مِلكًا له بسلاسة وامتلاء، وتفيض من الامتلاء على قارئه.