التخطي إلى المحتوى الرئيسي

استصراخ _من نصوص قديمة_

 الكاتب: هاشم شلولة


في أوقات الانحسار واليأس واللاجدوى هذه... تنمو وتكبر حاجتنا للإيمان، ونتحوّل كعميان يبحثون عما يتَّكِئون عليه؛ لتجاوز زمن أغبرٍ كهذا ولكن؛ الإيمان حين يُثبِتُ لاجدواه في كافّة مقاييس الاعتماد عليه كحَلّ فإنَّه يتحوّل لمشهد من جملة المشاهد المُبدَّدة في حياتنا،  يصبح بلا قيمة أو معنى. كيف يصبح للإيمان قيمة أو معنى في ظل هذا التعرّي القذر والوسخ وغير الخَجِل، الذي طال كل توزيعات الطبيعة وإراداتها المختلفة والمتباينة؟


الرجالُ كاذبون والنساءُ بلا حياء. الأخلاق نكتةٌ كانت في السابق تثير الضحك، اليوم أصبحت غير مضحكة وباهتة وسخيفة. الصوامِعُ لا يخرجُ منها إلّا أصوات الأوغاد، هل يسمع الإله الصامت هذه الأصوات المقززة؟ كيف لا يشعر بالقرف من مجرد أصوات نشاز وأشبه بالخوار المُزعِج الممرِض للأذن والذائقة؟ كيف لا يشعر بالقرف من تكرار إيقاعها الصاخب والفوضوي والمثير للاشمئزاز والتقيُّؤ؟ 


آه.. أبكي من هويتي يا زوربا، أئنُّ وأقدِّمُ أحزاني تتاليا وبالترتيب الملل والباهت الفاقد لملامحه، ولا أستطيع اعتزالَ الصراخِ رغم أنَّه الآخرُ أصبح بلا قيمة أو معنى. يشبهُ ذلك مشهد الفرقة الموسيقية الختاميّ من فيلم التايتنك، من أطال النظر سيدرك ما أقول، الغرق هو المحطة الحتمية، بيد ذلك يكملون العزف، وأُكمل أنا  الصراخ بمُشترَك واحد وهو مصيرية الغرق. 

أكتبُ الشعر، ورغم إدراكي النهائيِّ الفصلِ منذ المرة الأولى التي انتبهتُ فيها لشاعريتي أنَّ الشعرَ ماءٌ فوق رصيفٍ وسط الظهيرة، لا يسقى ولا يروي أو يقدم حلًّا... فقط يجف، يظلُّ يجف، ويخيفني هذا الجفاف فالرمل يُشعِرُ الأقدامَ بالأُنس حين يعلَقُ بها حين تسيرُ على شاطئٍ ما حافيل رغم عبثية كونِه عالق. هكذا الشعر بكلّ ما فيه، أخشى فقدانَه، وأخشى على الصورِ التلاشي. 


آه.. يؤلمني العالم، يؤلمني بشدة، وأحاول أن أصير من الألم بحكمٍ لا يُثقِل كاهل أبجديتي عليّ، ربما كمجنون اكتمل جنونه، لا يتوقف عن حمايةِ عقله، يتصنَّع الانتماء، ويضع الحُجَج؛ نحو أنَّ الزمن هذا لا يعنيه الانتماء من عدمه، وليس له رمز في مكان ما من هذا العالم الذي سقطَت فيه كل الأولويات أو التمييز بين الطيب والخبيث أو العابر والباقي أو الصامت والمتكلم وكافة الازدواجيات التي قد تتصادَفُ مع وحدةٍ ما من وحدات علاقتنا بالعالم. 


رامبو طالب بالنزول من العالم، اعتزاله ربما وعوالمه المختلفة التي تدل على الوجود، لم ينزِل.. أكمل صرخته، وقتله العالمُ مبكرًا. إن قتلَني فنِعمَ وزِد دون أن أشعر أو أنتبه، وإن ظلَّ يمضي فخفيفٌ.. خفيف ما تريده خريطته الشائكة من عبثٍ ولا جدوى وانتحارٍ فلسفي ومعنوي مكتمل السردية والسرد والصيغة... لا بد من التواجد في مفترقات الأمل كي نستطيع البصق أو نجد سببًا له، وبما أنَّ ذلك المظهر يدل على غضبٍ فالغضب نوع من المشاعر، وطالما أن هناك مشاعر يساوي ذلك أنَّه يوجد حياة، تمنحنا دافعا للبصق في وجه المتغيرات، وإن لم يحدث نزولنا من العالم نحو الجحيم أو الراحة. 

ما يقتلك كمتأمل أولًا، وقبل أن تكون إبريقًا مرصوصًا بجانب تلك الأباريق المُعلّقة فوق حفّة منضدة العالم؛ هو أنَّ الجحيمَ والراحة أصبحا سيان، والإبصار لهما لا نعمة ولا خطيئة. يقتلك ثبات المفهوم وغَضْبةُ الرّكود المقارناتي ولافائدة المفارقة أو معناها... 


آه من كمية الأسف الراكدة في شراييني، التي لا يحرِّكها محرِّك أو يداويها مداوٍ أو يُسكِّنُها مُسكِّن... الآلهةُ صامتةٌ على كل هذه المهازل واحتقانات الرجوع والتقدُّم والتأخُّر والتمدُّد والارتعاش والارتياب... الآلهة ربما عرفت أن الوقت تجاوز فكرة النجاة منذ صباح العالم، وقد مرّ المساء، أما الليل فطويل، طويل جدًّا، وعجز الآلهة أطول. كلُّ الأشياء والأفكار والمعاني والمحاولات تنهار والإله يراقبُ عن كتبٍ كأن لا نار على مرآه، ولا استغاثة ذبيح على مسمعه، يئنُّ الليل كاملًا وتؤلمه آثار السكاكين كما يؤلم التاريخَ حجمُ الضحايا وكَمُّهم وكيفُهم... 

كل الأوصاف، كل الكلمات، كل الخطابات، كل السرديات، كل الثرثرات، كل الأحاديث، كل الشموع، كل الأصوات، كلُّ الاستثناءات، كُلُّها.. كُلُّها تنهار، وأنا والإله نراقب الانهيار عن كثبٍ ونندب هذا السعار الماجن والماضي بوحشية إلى حيث لا يعلم أحدنا أو كلانا.. تُطفَأ كل بُقعة؛ بدءً بالضوء مرورًا بالسقوط انتهاءً بالعتم، حتى العتم يُطفَا ويستمر الصراخ العبثي، وتستمر المراقبة.. 




المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...