التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لستُ واحدًا من هذا المكان (من نصوص قديمة)

 الكاتب: هاشم شلولة


لستُ واحدًا من هذا المكان، وأرفضه رفض الشيطان.. قد أتنازل عن أي فكرة باستثناء هذا الرفض القاطع والمُطلَق. لستُ من هواة التمرُّد أو العصيان، وإنَّ هذا الرفض يأتي من شعوري بالحاجة إلى نفسي ومعرفتها، وهنا لا أستطيع إيجادي.. كلّما تذكَّرتُ كيف يمكن لهذا المكان أن ينفي الإنسان في نفسه، يحبس رغباته وما ينشد داخله من الحياة؛ التفَّ حول عنق ركودي حبلٌ من الثورة لأصرُخَ مُختنِقًا، مُعبِّرًا عن قوة ومدى تمكُّن هذا الحبل من عنق الركود. دفعتُ فواتيرَ كثيرة لا عدد لها، وهذا الأمر أتعبني كوني في مكانٍ استأجرَتْهُ لي الحياة ووكَّلتني بالتكلُفة. لا أستطيع أن أُقاضيه _المكان_ وهو كذلك. كانت قطرة الدم الأولى يوم عرفتُ حقيقة أصحاب المكان، وتعرَّفتُ على نزاقة ما يجب أن يكون؛ أنا الحُرّ الشفيف والغض.. الذي كان مُجبرًا على تماهيه مع الأمل في البداية للوصول إلى مرحلةٍ من الاستيعاب لجبروت حقيقة أنني سجين ومُنقاد ويحيطُ به السَّفَلة والمُنحطون، الذين لا يتوقفون عن ترتيب أحرف اسمه حسب ما تراه وثائقهم الغبية والثابتة والتي لم تتغير منذ ميلاد الأسماء والصفات وأساليب الحياة. أكبرُ قبل ميعادي كما كان يحدثُ في طفولةٍ رماديّة، ومُراهقة كسيرة القلب ومبتورة الأنفاس، وأنتحر.. لا أتوقف عن الانتحار منذ سنوات الطويلة، مع كل يوم وحدث وموقف وزمن ومحاولة لتشكيل رؤيا ورسم خارطة.. كنتُ أتوق إلى بناء نفسي بحُرّية الإنسان وبمعدلها الطبيعي ليس أكثر، كنت أريد أن أكون واحدًا من أبناء ال(هُنا) دون أن يكون نظري هناك لكن فُحش الأحداث ولاصوابية خُطاها وكل شيء في هذا العزاء الطويل؛ الذي يأمر به الوقتُ رهائنَه الصغار، كان مُرتبكًا وفي غير موضعه. ماذا سأفعل الآن بعد رحلةٍ طويلة من تناسي وإخفاء النُّدَب التي تركها ولا يزال يتركها في ظهر استمراري مشاعُ الحياة الكاذب هنا؟. لم أعُد هذا الذي اختار طريقًا آخرًا غير الذي تريده صورَ آبائي الغائبين أو المُغيَّبين المُعلّقة في فناء البيت، ليس تراجعًا عمّا اخترت ولا هزلًا، كل ما في الأمر أنَّ دمي نفذَ دون عناقٍ من الأرض، ودون أن تُقطِّبَ الحرية دمي الذي يتدفقُ من جبهةِ اختياري بأنَّ أكون حُرًّا طليقًا. الطريقُ وعِرٌ، قلبي باردٌ وخُطاي متردٍّدة.. لا أحتمل النزالات الكلامية أو الفعلية حول ما أريده مني ومن هنا ومن هناك ومما يقبع خلف صرح الحرية.. لأنني أؤمن أن لا وقفة أو همس عندما يريد الإنسانُ التحليقَ صوب انبعاثه من نفسه وتجدده ولو كان ذلك في أعلى الأعالي، عليه بالتحليق فقط وبصمت، دون سؤال عن كيف وكم ولماذائية التحليق.. دون وصاية أو ترقُّب أو حذر أو انتباهة أو سؤال.. المُضيّ الحر المحض وهذا ما فشلت به ولا زلت أفشل كل يوم، أقولها صراحة بأنني فقدت قدرتي في الحفاظ على رغبة أن أكون حرًّا لأنَّ الحرية كالمكان خائنة، ولا تفتح ذراعيها لمن اختارها.. تتنكر له وتُفزعه، وتجعل منه مصاب نفسه الجلل، البائس والمُذهَل من خشونتها وانقلابها والمُتعَب الذي فقد كُل شيء قد يسحبه إلى الفوز بجوهر مفهوم الحرية. 

نسقطُ للأبد مُقيّدين وخاسرين بفمٍ جاف وجسد هزيل وروح قتلها التتابع البغيض والطويل.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...