التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يوم من أيام أمي

 الكاتب: هاشم شلولة


الحزانى والمقهورون والمسحوقون، الذين قطَّعَت الدنيا مجملَ أوصال ارتباطهم بها، حين يملكون أمًّا فإنَّ الأم في هذا السياق تتحول لمنطقة من الخطر بحجم وطول جسدها؛ مخطوطٌ عليها بما هو ضمنيّ بأقلامٍ من حبر الارتباط الوجودي والوجداني والروحي والنفسي وكل نعوت الارتباط... ممنوع الاقتراب، ممنوع اللمس، ممنوع كل ما من شأنه ولو ردّ التحيّة من بعيد على هذه المنطقة، وإن حدث سهوًا وخطر على بال الأبد خاطرةً أن يُلامسَ ظَلَّ منطقةِ الخطر هذه على سبيلٍ طارئ أو غير منتبهٍ له؛ فإنَّ انفجاراتٍ ما تطفو على وجه الوقت واللحظات من كل مكانٍ وزاوية، من كلِّ حدبٍ وشِق، من كُلِّ جفنٍ وصدر وحنجرة وصليب ورواية... ترتعدُ كل مواثيق الارتباط دون التماسِ عذرٍ لطارئٍ قد يحدث رغم معرفة هذه المواثيق السالفة أنَّ الطارئ حتميٌّ في سياقٍ ما من سياقات الأبد سيئة المزاج والسيرة لكنّه طور الحزانى الصامت والمختنق، الذي لا يعرف مِلكًا أثمن وأغلى وأكثر قيمة من الأم، فما قولك يا أبد لو كانت أمًّا قلقة، لو كانت سناء التي أنجبت صِبيةً قلقين كذيل قَطاةٍ كسيرة الأجنحة، تتنقل بين القبور باحثةً عن فُتات الروح والمعنى والوجود والغيب... 

أمي والتي هي سناء، واسمها الذي يحمل معنى الفسحة والاتساع كاتساع صراخ أبينا المسيح، خُلقت من جوف الحزن، وعلى صدرها قلق الدنيا الممتد من الميلادِ إلى الميلاد، وربما موجود قبل التاريخ. أعرفُها جيدا، فهي أمي وهي أمي وهي الظل، وأعرف حجم قلقها. كيف لا أعرف ولو شكًّا في اللامعرفة، وقد أشربتني هذا القلق كالماء وعلى جرعات، هي لا تقصد تحويلي لآلة قلقٍ وصراخٍ وارتجاف في هذه الحياة، بل هو حرصها وحراستها الهستيرية المجنونة الملتبسة الشاقة العريضة لي وأخوتي.. شأشبهُها بالنار، فهي النار التي أحرقت نفسها حتى تتدفَّأ أرواحنا وقد حدث؛ تدفأت أرواحنا بها ومنها لكنّها أُحرِقَتْ قلقًا للتي يبَّسَتْ طينها، للتي نارها شاهقة، وليس لها سقف، نارها محترفةُ الاشتعال... لن أصل أبعد من ذلك فتَرْكي لنفسي على حين رصدٍ لها سيُقلقُني بالشكل الذي أقلق أم موسى النبي حين فرغ قلبها وقتما أرخت للريح سدولها، وتركت ابنها للمنيّة الأكيدة، التي يتعربشها المجهول وإرادة الماء، وهذا هو الحادث الآن بينما أتوضأ بالكتابة عنها ترقصُ قلقًا كُلُّ خلايا جسدي... أقول لنفسي توقَّف، فنار سناء الجميلة والباقية الراسخة الأزلية... تأكلني لغةً وارتباطًا بليلها البهيم والممتد من الشاطئ للشاطئ، ومن البر إلى البر، ومن الجحيم إلى الجحيم، شاطئ كونها بحرًا يلتفُّ حول قوارب صغيرة، لا دليل لهذه القوارب سواها، وبرّ أسرارنا المُغمّسة بآيات الألم الكبير وحسرة أننا نحن.. نحن الذين نحمل بين ضلوعنا قلبًا يُصلّي لمُلكِنا الشادن أمهاتنا، ولكل أمٍّ لمقهور كما عوّدتنا سناء، وجحيم المدى الكبير الذي يسكننا من فيض الأمومة وما روتنا به، وقد يقتلنا هذا الفيض لوحدنا ذات مرة لملحميةٍ ما بطلها سناء الجميلة التي كانت صَكَّ غُفرانٍ لحالمين وشعراء موتى.. لصوتٍ في أذنِ احتمال غيابها ذات مرة، يجعلنا هذا الفيض نصلي حبا، وفي محرابها نزهد، ونعتزل الدنيا وهزلها... أمي سناء التي لم تتركُ حتى عصافير الصباح التي تحطُّ فوق شجرة التين اليتيمة في بيتنا تأكل فتاتها بشكلٍ عشوائي كبقية الخليقة، بل ترتب لهذه العصافير كل بداية يوم طَبَقًا من فتات الخبر المبتل ربما بدمعتها التي تفوق الثواني سرعةً، وتضعه لها يكون حساء العصفور مالحًا حتى تروّح هذه العصافير بِطانا كما أوصاها بطلها النبيّ العربي، الذي لطالما انتمَتْ لصفتة المرصودة في ذهنها انتماءً خُرافيًّا عريضًا، ولي قطٌّ جميل يبكي عليها حين تخرج من البيت، وقد أخبرني ببكائه رَقْصُ ذيله على حين خطوتها الأولى بباب البيت، وهي التي تُطعمه قلبها، وما ملكت يداها، أكاد أقول نبية، وأنا كُل مُصدِّقيها والمؤمنين بها لولا تاريخ الأنبياء. 

اليوم حبيبتي أجرَتْ عملية جراحية، تبدو بسيطة ربما ولكنّي عرفتُ اليوم نشاز الانتماء، ونشاز الحب ونشاز صفةٍ تفوق الهيام... حين صليتُ في محراب الموت خوفًا، قلقًا، ارتعاشًا، سفرًا، إيمانا كافرا وربما كفرًا مؤمنا... كانت كل حواسي وخلاياي وأورادي تصلي خوفًا عليها، تئن، تصرخ، تُحاكمُ الطبيعة وخط سير الدقائق والانتظار، تحذِّر الأسماء من وجع القبيلة، من اكتواء قلوب الشعراء، يشيرُ القلبُ بسبابته في وجه المفاهيم جميعا: إيّاكِ وأمي أيتها الأسماء، إيّاكِ وسناء، إيّاكِ وحبيبتي المجنونة. أتذكّرُ كخيالٍ ما كان قبل خروجها من العملية، وجهي الذي شاخ وارتجلت عروقه، ذاب في الرجفة لولا حبّةُ مسكنٍ سيطرتُ بها على أعصابي، وليس لأجل سلامة أعصابي، بل لأشهد شفاء سناءي الجميلة، وأُشهدُ بمن أفنيتُ عمري باحثًا عن شهادته أنّه لولا استقامة عابرة للكون بَرَّت بأعضائي، وهذه وصية سناء للكون بالبرِّ بي لكنتُ الآن في غير كينونتي خوفًا ووجعا عليها من طارئٍ أو مزحة من مزحات الكون لكنَّ الطبيعة وقواها وجيشها وآلهتها وكل ما هو غائب فيها، اتحدوا جميعًا مستجيببن لهذا الارتجاف الكبير ليُخرجوا سناء سالمةً معافاةً، لتُكملَ رسم خارطة الأمومة وتريح أفئدة غلمانٍ حزانى.. ابقِ سالمةً يا أمَّ الصبية المُتعبين في المدينة، وحبيبتهم وخارطتهم، ابقِ على قيدِ الكلامِ يا ستارة المنفيين وسِترهم وخيمتهم الأخيرة.. ابقِ كما أنتِ بدر كلّ ظلماء، وأم كلّ ولدٍ وبنت.. يا آخر الرسائل وأولها وكُل انتباهات اليمام، ليمضي كل شيء وتبقين، ويذهب كل شيء ويعبر ويركض وتثبتين أمًّا وأمًّا وما ترك الصواب في عُباب الخطأ.. جعلتُ من أمي كل أشيائي حين خسرتها، لي مكسب واحد، وهو أمي.. أمي سناء المجنونة القلقة الخائفة، ستعود للبيت كما خرجت سالمة آمنة مطمئنة لتُطمئن قلب وليدها الذي قتلته الشاعرية، والسلام عليكِ يا حبيبي، وعليكِ السلام وإليكِ وإليكِ...

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...