الكاتب: هاشم شلولة
كانت الأرقام تختمر الجسد، وكان الجسدُ صُبحًا لاستراحات السواد الرمادي. ما مضى استزادةُ المشوارِ من ماء السؤال وعطفَة الأغنية التي عاركتها ظلال التردُّدِ. هل يكفي كل شيءٍ ليكون شيئًا يدلُّ عليَّ أنا/ أنا الذي تخفَّفَت منه الرواياتُ لتنجو، وعبرَ على خواطره نجمُ قافلةٍ مؤجَّل، يرجو الألوان لاحتمال ولاداتٍ شريدة.
سأراك يا صديقي مساءً، ونحن نعدُّ العُدَّة لناقةٍ رَأْدٍ نمتطيها حين تُغادِرُنا الأرض التي هذَّبَت بتأخيرها صبيانًا أفقدتهم حربُ اللهِ على أزمنتهم سراديبَ أمانهم المُنتظَر؛ كأنّه أمانهم غايةُ جلجامشِ في بلدٍ تُعاركها إرادةُ الفصل الأولِ وهمّةُ الفصلِ الأخير. من يعربُ فعلًا طال صلبَه على خشبةٍ صنعتها الهاوية بمطارقِ أسقام الرسلِ وشكاوى الرسالات التي تراكمت في جوفِ التتاقُضِ.
تعرَّفَتْ على وجهي أمثالٌ سائرةٌ، وحطَّت الأفلاكُ على كتف فتاةٍ عنيد قاومَ تعريةَ الوقت وعُريَّ الوصفِ. خارطةٌ وجهي تجهلها الذاكرةُ بعدما تُخلَع من الفاعل أل التعريف، التي ارتابت قبل الغوص في ساحٍ تُغطّيه الدماء. قطعوا رأسَك يا موت، وخبَّأوا ظَلَّ هذا الرأس في خزانتي وبين أقمصتي. رأيتُ أيامي حالكةً، شبحُها شبحُ ولدٍ مراهقٍ، يصرخُ في وجهِ أمّه؛ ليبحثَ عمّا يُغطّي قامةَ مصيره الغابر، تأتي الرياحُ سريعةً تنهبه من تاريخِ عائلته. سقطَ الغلامُ، وكرَّر في آيات الحريقِ خُطاه.
تناسَلت قصائدي، وامتثلَت لأمرِ الغرقى الكلماتُ. هل بعد ذلك نعرف شاطِئًا؟ هل نسمعُ صهلةَ خيلٍ في المساء؟ يا حاملَ السرِّ الرَّصين، أنَّبَتكَ خلائفُ الصحراء يا من رأيتَ في المدنِ مستقبلًا للثائر وعراقةَ تيهٍ تتجاوز به لقياك اللعينة. هنا جرحٌ، وأمامُك ساريةٌ لتعليق القَصَصِ عليها. تلك الحياةُ البليدة/ غوايتُك الرشيدة، التي أشربتها إياك سحريةُ المرور وصرخةُ فائقٍ مُلتاع.
فوق أسلاكٍ يدفعُها التماسُ الغايةِ من الغاية، ركضت أيامُ الله المسمومةِ، وتناسَت حرفةَ تهذيب المحطات لأجلِ أسفلتٍ يجمعُ سُكارى قصرِ الوهم، ويعيدُ للضياء لونَ قلبِه المُكبَّدَ بالتكتُّم؛ خشيةَ نسماتٍ منتفضة.
حين تكبُرُ الأسماء تصغر الزهرات، ولا نقيض سوى النقيض، ولا مقتل إلّا مقتل الزرقاء حين انتظار السفر.