الكاتب: هاشم شلولة
هو الذي تركَ نَفْسَهُ في غيّمة، وسارَ دون سروالٍ في شوارعِ الأبد. هو العابر بخفّةٍ كأنّه أسطورةٌ في قصيدة، يعرفُ وجهَ الهاويةِ جيدًا، ويحترفُ تكرارَ الكلامِ والمواضيع المملّة.
الوقت بالنسبة له؛ مجرّدُ نكتةٍ مستمرّة. يظلُّ يسيرُ في المُدُنِ دون استراحةٍ إلى أن ترتاحَ على كتِفَيّهِ المُدُنُ فيسقط كأنّه الرِّواية الأولى للأشياء. يخسرُ كُلَّ رهانٍ، ويجيدُ حرفةَ ضربِ اليديّنِ بصوتٍ عالٍ؛ تصريحًا عن الندم. يختبِئُ بصمته خلف ثرثرةٍ لانهائيّةٍ؛ لها أنياب، وتفترسه بكل ما فيها من حواسٍ وأحجية.
قابضٌ على النارِ كقَبْضِ التاريخِ على الأكاذيبَ كأنّه يعرفُ سرَّ الوجودِ ولا يتوقَّف عن الضَّحِكِ/ هذا الضَّحِك، تموّجات الجسد الهادئ، المُلتَفِّ بالبراكينَ التي تحدث نتيجة الفوران المستمرِّ خلف الجسد.
ساكتٌ بشكلٍ دائم، وسكوتِهِ هذا؛ بمثابةِ رفع أُصبع عقله الأوسَط في وجهِ الحياةِ، للإيحاءِ بلامُبالاةٍ عريقةٍ، تتجدَّدُ بتجدُّدِ النَّزَقِ المُتماهي في الأحداث؛ هذا النَّزَق المُتَمَثِّل في شوهاتِ الحقيقةِ، التي تُقِيمُ في تفاسير خُطاه.
على إلمامٍ تامٍّ بنواقِصِه الكثيرةِ، وعُقَدِه، لا يتوقَّف عن إلصاقِ الأخطاءِ بُكُلِّ نظريةٍ يُصادِفُها ليخلِقَ جَدَلًا ويُهزَم. يعرفُ أنَّ الوصولَ نقطةُ الانطلاقِ صوب اللاوصول، لهذا؛ هو في حالةِ ركودٍ مستمرّ، وسؤالٍ دائمٍ عن الطريق.
يسألُ نفسه سؤالًا في كلِّ مرّةٍ؛ يدافعُ عن نفسِهِ فيها، هل نستحقُّ كُلَّ هذه الاعتداءاتِ التي نرتَكِبها ضِدّ أنفسنا؟
كُلّما لمحَ قميصًا أزرقًا فوق حبلِ غسيل، ينسى وجهَهُ للحدِّ الذي يستبدله بوجهِ امرأةٍ غريبة، لا تكُف عن عادةِ الوقوف على الشُّرفةِ المُطلِّةِ ناحية الجنوب كل مساء.
على علاقةٍ غريبةٍ ومؤجّلة مع الانتحار لكنّ صور هذه العلاقة، المُعلَّقة على جدارِ أفعاله الداخليّ، لا تتوقَّف الرغبةُ عن تأملها.
يتعرّى في أشدِّ مواضعَ حاجته للتَّسَتُّر، وعلى نفسِ المِنوال؛ يبني علاقته بالإيمان.
هوايته الكَيّ، وتربية الأسئلةِ؛ مثلما يربِّي نفسه في كُلِّ مرّةٍ يختلي بها. يعاقُبُ ذاتَهُ نيابةً عنها، وعن رغباتها القاضية بالجَلَدِ والقمعِ والتآكُلِ الطوعيّ. لا يكُفّ عن دفعِ صخرةٍ كبيرةٍ اسمها الانتباه، ويظلّ يدوّن بالعرقِ تداعياته، التي تتغذّى عليه حتى يتضاءل إلى حدِّ الاختفاء.
هو هذا الفتى؛ الذي يشعلُ السيجارةَ ببطءٍ، ولا ينضب تحديقه بالثُّنائياتِ، ومشاهدَ الجنائزِ والوداعات وتأبين الوضوح... هو هذا الذي يثرثر الآن بخَرَسِهِ للُّغةِ عن سرِّ اشتباكه مع ملامحه ليتعثَّرَ بعد ذلك بمقعدٍ في الجحيم، فيذوب في اللعنة، ويسقط كحلمٍ أو أمنيةٍ لغُرابٍ شاخ.
هو هذا، كلّ هذا.