التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ربما، وهل؟

 الكاتب: هاشم شلولة


في زمنٍ غير هذا الزمن، وفي مكانٍ غير هذا المكان؛ ربما نلتقي ونُكسِّر كُلَّ استشباهات الغياب التي سئِمَتْ من التردد بكُلِّ الخدشِ للحياءِ على صروح الحضور. 

في زمن آخر ومكان آخر؛ ربما تُصبح الصورة التي صوّرناها معًا بكاميرا المسافة لوحةً من لوحاتِ مسرحية الحظّ الأشعث والمُتعَب والفاقد لعذريته..  

تأخرنا يا صغيرتي؛ يا ابنتي وأمي. تأخرنا كثيرًا، وخجل السماء المُنساب بفيضٍ وتأنيبٍ لاستسقائه لصفته؛ شاهد على تأخُّرِنا المُشترَك؛ المُجَسَّد بقصائد "بوشكين" التي تلوناها معًا أمام مرأى الطريق الطويل، وكل الجُدُر والحواجز والقوانين الفاصلة بيننا. 

تأخَّرنا حتى ابتلّت الأرض بالملح وشظايا حبكةٍ حَبَكناها معًا بانفعالاتنا التي مُؤدّاها ومبدأها ومنتهاها؛ الحب الأبدي والخالد فينا. 

عرفنا بعضنا بصمت، ونعيش معًا من بعيد كذلك، نتشاجر، نستصرخُ اللهَ والأيامَ الطويلةَ والسائرةَ ببطءٍ بنفس الطريقة، كذلك؛ نشاهدُنا من عُلُوٍّ صامِتَيّنِ وباقتدار. 

نقتل بعضنا ثم نبتعثُنا من رماد، ونرتجفُ، نخاف ونسقط ونعلو ونشيِّعُ جنازات الأمل؛ واحدة تلو الأخرى بصمت. كُلُّ شيئٍ صامتٌ؛ حتى الكلام وثرثرة الفن الدائمة؛ التي تعلو عرشَ ما بيننا من لغةٍ تُبكينا بانتحابٍ كالحفيف وكالتَّساقُطِ وارتعاش الأبجدية. 

هناك.. هناك يا امراتي، في أبعد مكانٍ من الغيب؛ رسمنا سويًّا عالمًا صامتًا بكل شروخه وصروحه وحشوده الباكية والعارفة للنقائض والنقائص والاكتمالات، وعشنا فيه عارييّن وصاخبيّن؛ لا تذبل فيه التباريج ولا الأزاهير ولا تبتلّ فيه المتاهات بالاتضاح.. التباسيٌّ، عصيٌّ على التفكيك، مُتَّضِحٌ مُمتنِعٌ، لا يُصَعِّبه إلّا القيامة، إنَّه عالمُ التجدُّدِ والوصول والولوف والوجود الفاتن ووارف الظلال والاستعارات.. 

منذ تكوين الخليقة، وبزوغ الأخلاق، وانبثاق الفضائل.. تكوّنا؛ متماهِييّن وذائبيّن في بعضنا؛ بزغَ قمرنا، وانبثقت الحكاية بنقصها الكامل وكمالها الناقص، كل ذلك؛ حدث قبل أن نعرف بعضنا وقبل "نبوءات نوستراداموس". رُبّما قالتنا أقاويلُ "زرقاء اليمامة" لحدس مستقبلِ التكوين أو سطَّرتنا استراحات التأويل التي تنتهي في العادة بالتبديد والانفجار على مقاعد الأزل الخشبية ذات خريف. 

كنا ولا زلنا وسنبقى كالفن وكالسرمد وكالمواعيد التي لا يتوقف إزماعها..

هل ظلَّ لظِلِّنا المُتنافرِ حجاجًا لئلّا يُمحى أويصير للعناق؟. 

هل ظَلَّ للمحطات قصائد تُرددها الخُطى المُترددة والمستعجلة والمغبرّة والباكية أمام وجه الوصول السافر والماجن وغير المستحِ؟. 

هل سنصل يومًا أم سيكبر فينا نرجس التأخُّر، ويشيخ لينتهي ساكتًا؟. 

هل سنلتقي؟

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...