التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مما لمحت مني

 الكاتب: هاشم شلولة


أنا الآن أطلُّ عليَّ من بعيد، أراني كما أعرفُني، نتيجة لكلّ ما حصل من لقاءاتٍ حميمية بين اثنين غريبين، أراني في كفّي صورةً للأصوات، لمآذن الذنب ومتاريس الأخطاء.. هي الحياة رحلة، وهل أبهى من أن تكون رحلة خسارة معتدلة الوِقع، مُعطّلة لكنها تمضي، تمضي بتوتر المدمنين حين غياب الجُرعة، بفقر الفقراء وتعاسة الحظوظ. رحلة طويلة لم أتوقف فيها عن السُّكر، لمعرفتي سقوطنا في الرغبة غير المرادة بها. 

أعرف جيِّدًا بؤسَ هذه الرحلة، لكنّي أيضا راحلٌ كصغيرٍ رموّه في النهر، وقالوا له: البرُّ هناك فجدِّف، لكن الطريق ماء، ماءٌ يبغضُ الصغارَ ويستعدُّ دائمًا لمعركتهم، يهينُ حقيقتهم التي أفنوا أعمارهم لأجل الوصول إليها أو إلى جزءٍ منها، الماء الذي رسمنا عليه دروبَنا وأحلامَنا، لا يحب الصغار. 

فقدتُ أمنيةَ تجاوزِ النهر، ما أطمح له ودًّا من الماء وما يشبهني من أوجه الوصول المُستريحة.. أريد سكونًا مؤقتا، لأتفاهمَ مع أسبابِ هذه الشراسة المُلتصقة بوهم التوازن، وأحقيته في أن يكون صفرًا وراء هذا الواحد الشارد في أسمائه. هل يكون الاسم مأوى بعد ضياع أخوته الأسماء؟. 

ظلًّ خيالًا مرسومًا على نفسه، واحدًا وحيدًا لا خلف له، وأمامه زوايا الاانتهاء لكُلِّ مدى عبثيّ.. واحدًا بين آلافِ الآحادِ من صور الوحشة التي تُصوِّرُها مسالكُ الآخرين، المُشاهَدَة من قِبَلِ هذا الواحد بدقّةٍ وانتباه وتلقائية مُخادِعة.. قال لي أحدهم اسكَر، فهل ينفع السُّكر من يفني عمره راكضًا؟. 

إن لم يركُض يموت دون أن يموت. الرَّكضُ حقٌّ والباطلُ الاستراحة. كُتبَتْ على هذه الأرواح الذِلّة، والغرق وبُغضِها من احتمالات الراحة المُناداةِ صُراخًا وفي الرُّؤى. هل أصيرُ هانئًا خِلسةً حتى أخبر نفسي بالوصول من بعيد؟. 

آه من غرقي يا نهر!. حسنًا؛ نموّ الواحد هزيمة وحِدّته سقوط.. لهذا؛ لا تسأل عني ولا تتخفف من ارتعاد شكلي في غيوم عقلك، لستُ مطرًا لكنّي حين أسقط، لا أرتطم بالأرض، أبقى مُعلّقًا كحظّي من الوجود. دائمًا تكون وصاياي مُعلّقة، وقصائدي مهتزّة فأنا كُلّي مُعلّق من نحري. سكرانٌ وأهذي فلاجدوى.. لا جدوى حقيقية بالمُطلَق.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...