الكاتب: هاشم شلولة
بعض مثقفي الأحزاب الفلسطينية المنتفعين باعتقادهم أنَّ اسرائيل على باب الزوال، وهذا الاعتقاد مشفوع بعقدة ال٨٠ عام التي يعاني منها اليهود بعد زوال مملكتي داوود وحشمونائيم، ويستشهدون لذلك بخطاب نتنياهو عام ٢٠١٧ في ندوة التناخ التي عقدها في منزله بمناسبة عيد العرش، مشددا وقتها بالنص: "أن وجود إسرائيل ليس بديهيا" وأنّه يحرص على ضمان عشرين عام جديدة؛ لتجاوز نحس حشمونائيم وداوود..
لحظة تحدُّث نتنياهو هذا الحديث كان سعيدًا مُحتفِلا، ويتحدث بعقل مسؤول يفتش عن المخاطرة والمجازفة من أجل علاجها ومواجهتها، ولا يركن إلى معطيات الأمان وقتها، والتي كانت تتمثل في بداية موجة تطبيعية علنية مع الدول العربية.
بالنسبة لمملكة داوود، فقد تحوّلت في فترتها الأخيرة لساحة حرب بين أقطاب يهودية متباينة في اعتقاداتها الدينية، أنهكت هذه الحرب التي امتدت سبعة عشر عاما المملكة أثناء فترة حكم رحبعام، هذا أضعف المملكة آنذاك وقلَّص أسباب وجودها، وبعد سيطرة رحبعام على المملكة بالكامل، هاجم الفراعنة المملكة بجيش قوي، وتمكنوا من الاستيلاء عليها، ودفع رحبعام كل خراج الهيكل كجزية للفراعنة، وأصبحت المملكة تابعة لمصر.
أما عن حشمونائيم، فكانت في البداية أشبه بحي يهودي صغير، لا يقدم ولا يؤخر تخضع للحكم السلوقي مثلها مثل بقية المناطق التي تخضع لهذا الحكم، وبعد أن تفككت الإمبراطورية السلوقية؛ اكتسبت من خلال مجموعة من الأصوات الدينية اليهودية وقتها طابع الحكم الذاتي في عدد من المناطق كإيتوريا والجليل والسامر، ولم يدم ذلك طويلًا؛ لأنَّها مملكة فاقدة للمرتكزات والمعايير التي تخص ذلك العصر، عدا عن أنها كانت تحكم يهود تلك المناطق، ولم تقم على فكرة جمع الشتات اليهودي كما عهد التاريخ المعاصر ذلك، وبالتأكيد تمت إقامة المملكتين دون أي تمهيد أو تنظير. كان كل شيء عفوي خاضع للظرف والطقس..
هذا في حال الحديث عن دولة قومية بعيدًا عن الحديث عن دولة مدنية مؤسساتية، وهنا الفرق الجوهري الذي يلي الفرق الزماني والمكاني الخاص في كل واحدة من الممالك التي اكتسبت طابعًا رمزيًا يأخذ في مضمونه شكلًا أسطوريًّا للدولة اليهودية المُنتظَرة. إضافة إلى الاختلاف الكلي لدوافع إقامة الدولة اليهودية الاجتماعية والاقتصادية وأخيرًا السياسية..
إسرائيل الجديدة كانت تمهد لبناء الدولة قبل بداية القرن العشرين بعقود ليست قليلة، وبمنهجية تنظيرية عالية الدقة بواسطة مجموعة من النخب والمفكرين والفلاسفة والأثرياء؛ ما يشبه كتيبة أيديولوجية مُعقلَنة وعبقرية، وباعتقادات تواجه أي تصور مواز؛ معتمدين على النظام الاجتماعي الفلسطيني الذي لم يكُن ركيكا بقدر ما كان عفويًّا.. لا يتعدى كونه خارطة علاقاتية ضمنية وأهلية بُنِيَتْ من التراكم الشكلي دون موثقة أو دسترة.
طبيعة السكان أيضًا لعبت دورًا هامًا في حيز الاعتقاد الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين؛ حيث كان أغلب السكان مجموعة من الفلاحين والبسطاء.. هذا دعا إلى توثيق وتمكين أدبية "أرض بلا شعب" من جانب، واستخدام هذا التصور الاعتقادي كحيلة للتملص من أي عقدة ذنب قد تلاحق الدولة اليهودية القومية غير القومية فيما بعد من جانب آخر..
ويبدو أنَّ مؤسسي دولة الكيان كانوا متأثرين بالماضي اليهودي المُعبَّأ بالاضطهاد، والأهم الأخطاء الكبيرة المرتبطة بهاجس تشكيل الدولة الحلم في ذهن اليهودي وفي ذهن الواقع.. ونستطيع فهم ذلك من خلال حشد متروكات كل هذا الماضي في عقيدة اليهودي الفاعل في فكرة بناء الدولة والمهاجر لها من كافّة الأصقاع.. حيث الامتيازات التي لا تُعَد للحريديم، وقد تبين أنَّ هذه عنصرية إيجابية فيما بعد بالنسبة لتمكين الدولة؛ لأنَّ ذلك أكسَب الدولة وجهًا هوويًّا رغم التعدد الهووي الموجود في بنية الدولة، لأنَّ اليهودي الأوروبي هو الأقدم والأسبق في المعاناة..
بعد هذه الأرضية التي كفِلَتْ الرمزية القومية وقوننتها في خضم جدل قيام الدولة، وبعد التمكن من ذلك على أرض الواقع.. أصبحت إسرائيل دولة مؤسساتية تكنوقراطية، وهذا الانتقال ليس دليلًا على موت إسرائيل المعهودة في تناولاتها لمفهوم الدولة، بل هو محاولة للتجاوز، هذا التجاوز كان إيجابيا جدًّا وفق معايير تطور الدولة ومرونتها.. لكنّه ليس كذلك في عرف الدولة الإسرائيلية المتدينة التي تعتبر التجاوز مخالفة أخلاقية، والدولة المتدينة هي الوجه الشعبي والجماهيري الإسرائيلي بما في ذلك الحريديم وغيرها من الأوساط الأصولية الأخرى.. مما تسبب في عدد من الأزمات الخاصة بالأمن القومي الإسرائيلي..