التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كان الليل ليلا

 الكاتب: هاشم شلولة


آه أيّها الليل؛ لقد أصبحت شاذًّا بعدما كنت مأساةً عذبة، تبعث فينا إيقاع المُتعة. آه أيها العزيز لقد التبسَتْ علينا مفاهميك، ولم نعُد نستطيع فَكَّ أُحجيتك بعد طول وضوحك. آه يا أبا الجُرح العميق؛ تمهَّل فنحن بَنِيك الصغار. 

لقد كنت تُحوِّل العذابات إلى قصائدَ تستبيحُ الجمالَ وتتعثَّرُ بالاستقامةِ الروحيّة التي تنِمُّ عن وِردٍ أخلاقيٍّ أصيل، منبثقٌ من موطنٍ نقيٍّ وصافٍ. عرّفتنا بأنفسنا في البِدء، وأوصَلتَنا إلى بديعِ السؤال الخفيف، الذي لا يفعل بنا كما الآن من استحجارٍ للطين. 

كنّا نُرَدِّدْ فيك وداعِيّة "ماياكوفسكي" للقرويّ المُتعَفِّف  "سيرغي يسنين" بشَجَنٍ خفيف على المسمع وحوّصلة تتفرَّد بسجيّةِ العُذوبة. أما الآن فنرددها بصرخةِ السَّجين، القابِع في زنزانةٍ دون شبابيك. 

آه يا من كنت سدًّا منيعًا وجميلًا. تحوّطنا وتحمينا من التفكير بما هو هالك وضال وزائل... كأنَّ نُفكر بمآسٍ يومية وكدحٍ عائِبٍ عيب الوجود والميلاد. كنت تمنحنا القلق الشفيف الزهري والمتصالح مع مقدار المعرفة الذي لم يتقهقر ولو مرة ثقةً في ما يبعثه في نفوسنا من صدق ودأب عقلي حثيث للوصول إلى ذلك الرصيد المعرفي. لماذا تغيرت معنا؟ لماذا أطفأتَ جِمارك الحمراء بعدما كانت تُدَفِّئ أكُفَّ ضياعنا الباردة برودة استساغة الضياع الماجن لنا؟. 

لقد كان ليلنا الإستبصاري يُنطِقُ السماء الخرساء، ويُعيد الخريف إلى ما قبل انبلاجه من القلوب بتعويذتيّن. كان يخشى تساقطنا ويُزمِعُ مع هياج الحب التائق اللذيذ وهائل التبصُّر موعدًا يتجدد مع كل حضورٍ للوقت الذي نُمسي فيه رهائن لنا. 

لكن؛ وا حسرتاه!. صار حمّالة لحطب هناءنا الذي ظللنا سنوات متعاقبة نرصفه ليلقي به في نار متناقضاتنا واشتباكاتنا الإستشراسية الخرقاء ليذرنا نئنُّ على ما لا نعرف أو ندركُ أو نشعر... لماذا نئن؟. هل أجبتني يا "جاك كيرواك"؟. 

منذ المرة الأولى التي زرتنا فيها جهارًا نهارًا؛ لم نُطالبك بالنوم. كنّا فقط نسترحمك ونستدرج عطفك المحبوك بخيوط الإيمان الناشئ والغَضّ، وكنت حنونًا كأُمٍّ من قُرى "سانت بطربسبوغ" كانت تنتظر ابنها العائد من الحرب بعد طول انتظار. منذ المرة الأولى لم نطلب منك إلّا رِقّة الأرق، وحُسن السوء، وكنت ممتثلًا لجمالية الاستجابة لصلواتنا بتلبية هذه المناجات غير الصاخبة، والنابعة من قلبٍ يتماهى معك وفيك. لكن؛ ماذا أصابك الآن أيها الوسادة التي كانت تُعانق مؤخرات رؤوسنا بلطف وغضاضة واستبشار؟

آه أيتها الطُرُق المُشجَّرة ذات الغيضات الخانِقة المُحتَقِنة وغير المائِزة التي سلكناكِ حين تجاهلنا إخبار الليل الذي كان بسرّكِ. ماذا فعلتِ بنا؟. 

الشاهد الليل والشهيد والشهادة... يحيا فينا كظلّ، كنغمةٍ لا تنفصل عن العذوبة، ككُلِّ لانهائيٍّ غامض؛ يسبحُ في مدى غامِق البياض. 

شاه الليلُ بعدما كان بهائيُّ المَطْلَعِ والمُنتهى. شاخ بعد يفاعةٍ طويلة طول احتماله القديم لمُصابنا الجَلَل بالحياة، وكَمّ الجراح التي لم تتفانى يومًا عن الحَطَّ فوق إحساساتنا التي شُجَّتْ عَظَمَتها. تَعِبَ أبانا الليل، ونحن لا زلنا في غَمْرَتِنا نتضرّع بشفائه وتكرار مَطْلَعِهِ البهيّ دون رَدّ.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...