التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقديم مجموعة "هل تتأخر البداية؟"

 الكاتب: هاشم شلولة


_المجموعة الشعرية للشاعر الفلسطيني الشاب: محمود الجبري. وهي مجموعته الأولى، وصدرت عن دار الكلمة للنشر والتوزيع/ غزة. قدم لها: هاشم شلولة. 


لا يمكن الوقوف أمام قصيدة تجتمع فيها مجموعة من المتناقضات التركيبية والفنية بثبات انفعالي محكم، وربما يصل هذا الممكن درجة من درجات المستحيل.. إلّا أمام قصيدة محمود الجبري القاصر في آن، والناضجة في آخر، والمشتعلة اشتعال الفتوة في ثالث.. 


هذا الفتى الذي اجتث الشعر من بين غموض المرئيّ ووضوح المخفي اجتثاثًا.. كأنّه كان يبحث عن ميدان للمجد؛ فتعثر بالشعر بين ظهرانينا كمن يتعثر بالأعشاب بين الصخور.. إنني أقف أمام تجربة محمود المتواضعة إلى حدّ الأنفة وقوف المفزوع والمتردد والخَخِل في ذات اللحظة سائلًا نفسي.. كيف لفتى جاء من خارج الوجود الفني الدراماتيكي بهذا الكم من المباغثة أن يصير صانع أسئلة وجودية ماهر وبهذه السرعة؟ 

أجابتني وتجيبني كل قصيدة جديدة يُسمعني إياها على الأرصفة.. بنضجها الأخاذ، وذهول الأذن الشاعرة بتفكيك الحالة الشعرية اللحظية التي تتخطي الزمكان في نص قصيدته. 


هذا الطفل الكبير، المحشو بالاستفهام عن ميادين اللهو الشبابية، حوّل حالته الكونية إلى حالةٍ هستيرية مغموسة في أحاديث الوجود، وماء المعرفة التي تكوي كل محاولة لما هو غير الصراخ القابع في قصيدته.. يقول: "في الليل/ رميت رملًا على مرآة/ فصارت قصيدة" تخبرك هذه النزفة الشعرية المكثفة بصورة المضمون الشعري عند هذا الفتى، الذي كان يحلم في الحياة وبها ولها.. فتحوّل فجأة إلى مطرود من هذا الرحم إلى مهنةٍ تشبه الشعر، وربما تشبه الحياة، أن يعفّر المرآة بالرمل؛ لتصير قصيدة.. قصيدة تجمع بين أصل الإنسان الركيك وأناه التي تتضخم بفعل الزمن وتعرياته فيظنّها الشاعر ذاته الكبيرة.. لكن الحقيقة؛ أنَّ الليل هو الذي يفرص قوانين المشهد، ويؤكد شاعرية الحاصل دون تدخل تكنيكي من الشاعر، بقدر لمسته الفنية المبتكرة التي تعبر عن طموح الكاتب في نفسه وعلو هذا الطموح واستشراسه في خلاياه.. وهذا بالطبع ما أتوسمه في هذا الفتى الذي يلتقظ ببراعة فنيته من بين نيران الواقع البشري الحاضر الملتهبة، التي تأكل كل فنية.. 


يقول في محطة أخرى أكثر كثافة وأشمل تعبيرًا: "الخوف كتاب مفتوح/ العصا غابت في الصحو/ العمى جن معلّقة مؤجلة". 

حالة التشوش تبدو في هذا السطر بجلاء، هذه الحالة التي تمتد على ساحل مجموعته من بدايتها إلى النهاية.. نحن أمام حالة فوضى، لكنّها خلّاقة ومحتقنة بالجمال احتقان، الجمال العذب والمعذَّب كصانعه.. إننا نرفع في الفتى ونثني على جماله، لكنّه في البداية والختام كأيّ شاعر يبدأ، ويبحث عن إجابةٍ لسؤال البداية؛ محضُ طفلٍ حاول أن يخرج عن القاعدة، ويؤسس لحالة الاستثناء التي يسعى إليها كل من في سنه، لكنَّ الفوز للعارفين، وبصفتي كمطلِع على تجربة هذا الفتى، أبشر الشعر ونفسي بفوزه، لكنَّ الزمن هو من سيبرز هذا الفوز أو يمحقه.. أنني أراهن على رغبته في المعرفة، ورغبته في بناء شكلٍ آخر للشعر؛ غير هذا الشكل الحالم والأول.. 


مجموعة "هل تتأخر البداية؟" مجموعة حالمة، مفادها البحث عن مرحلة، وعن كيان وإطار هوياتي وفني يخص الشاعر، ويحتويه من ضلالاته، والشاعر في مرحلة تجريب، أراها موفقة من منطق، ومن آخر تحتاج لقليلٍ من الزمن من أجل أن تكبر وتزداد جمالًا وهدوءً، تأخذ شهيقًا وزفيرًا أكثر راحة بمعنى أوضح.. والحقيقة أنني مؤمن بذلك؛ فأنا معجب بسرعة نمو هذا الفتى الفنية والفكرية.. وأحب كثيرًا جلساتِنا على أرصفة الهوى المليئة بالقصائد والشعر وجمالية علاقتي به.. تلك العلاقة التي يتخللها نسقٌ صامتٌ في كل شيء إلّا الشعر، أحيانًا أحاول كسر القالب؛ لأحدّثه عن الحياة، وعنها أسأله.. فيكون المشهد جامد ولا روح له.. فأنظر فيه نظرة مفادها دعنا نرجع لوراءٍ أماميّ، نكمل فيه إجابة سؤال: أين الشعر؟ 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...