الكاتب: هاشم شلولة
السلام على أبي، وبعد السلام.. حقبةُ صمتٍ طويلة، تجرف معها كلّ تأمّل قضاه البصر وفعلت البصيرةُ فيما سواه. هو أبي الذي كبُر معي مرارًا، ولم يصغُر إلّا مرّة واحدة، واحدة فقط، تجمع كلّ المرات التي شعرت فيها بانكسارٍ من الحياة. أأنت أبي؟ وما معناك إن كان للمعنى تدخُّل في الخط الطويل القصير الذي يربط بيني وبينك؟. السؤال عن وجودية المعنى في خضم أبي غير منفصلٍ عن بداهته في حوارٍ استُئنف تزامنًا مع ميلادي، وسينتهي بموتي..
أبي صحبةُ المحراب إذا ما كانت الخلوة واحدةً، تربط شبحًا يعرف كم يكون الآخر تهديدًا لولا قطرة سمتها الحياة أبي، تنطلق من الضفائر، وتمرُّ بالسيل البائد المسمى وجهي.. أنا الوحيد العديد الشريد وابن أبي.. هو أبي من لازم حيرة الاسم الذي يحملني ولا أحمله، فكيف.. كيف أيها الصمت أعيد أبي إلى شبهة التكوين خاصتي، وأمزجه في صفاتي لأكونه، ولا يكونني.. فإقامتي فيه استرسال معلّقتي في التجمّل، في توغلها بحقيقةٍ سينساها الجمع إلّاك يا مجمل الاستثناءات الكونية.. إلّاك يا قدرًا أجلَّ خُطى اليتم على جبهة الشاعر، الذي عاد من كل الحروب هزيمًا، ينحب كخيلٍ عجلى..
عند اقتراب التماس الرواية من الأحداث التوقف، وعند ابتعاد القصيدة عن القصد.. تتضافر أبجدياتي كطفلٍ في مربع هواك.. فتعلو كمعراج؛ لتصيرك عندما لا تصيرك أشياؤك، التي تملكها وسط زحام فقدانها.. عبرتَني يا مؤجّل وانتفيت، أكلمت العبور، وفي تواشيحي بقيت أنت العابر مثلي، والباقي وجدل الثنائيات حين تجابه المفرد.. وبذات الترتيل؛ تردُّ الأرضُ باطنَها إليها، وتصحو المعاولُ من ثمالتها بالرمال..
يا أبًا، أسقط عبرَتي على الريح، فتمهلت الريح في نثر تهاويم العيون.. استحياءً منك، وأنت تنقب في الوجد عن رؤاي، عن كيدٍ يتجهّم غدّي تجهُّم البيد في وجه التائهين.. لتؤدّب هذا الغد، وتحمي بنيك من شرك الجاذبية.. كنّا نرتب هذا الليل، نصبغه بصبغتنا؛ لئلا تختلط الأشباه، وتكون أبي الذي وجدته بعد عمرٍ بين حواكير الزمن الأول، وبين أسماع ضلّت طريقها واستقرت في القصيدة.. يا أبي؛ إنّي إليك كزُرقة بعد تخفُّف سقف الله من الماء، إنّك لي كقطارٍ سريع؛ ألقي بثقلي فيه مختفيًا من لصوصية الدليل، وعافية العليل.. أنت لي إذا ما قلتُك الصمتِ، وقالتني الكلمات.