التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة عقيم

 الكاتب: هاشم شلولة


ثمّة غصّات متتالية، تلاحق المرء خلال حياته.. حتى الآن أجهل غايتها، باستثناء الجانب الروحي منها، تعلّمنا الإيمان بالوقت، تعوِّدنا على القبول والعبور.. ترسِّخ فينا مبدأً قديما جديدًا، وهو أنَّ الإنسان محض ضيف على هذه الحياة. لكن الصوت الشاعري فيّ؛ يردُّ باستياءٍ وحسرة: لماذا هذا كلُّه؟ ولماذا كلَّ هذا الركاكة؟. 

لهذا؛ عكفتُ عن قراءة الروايات؛ لأجل ألا أنكأ جرحي القديم، الذي أهرب منه بالحياة أو بمحاولة الحياة ربما.. لكنها عقيمة بما يكفي لعدم ميلاد استجابة لهذين السؤاليّن القاتليّن. إنها الحياة أيها الأصدقاء؛ ذلك القذع الهُمام في خاصرة تاريخ الأفراد والجموع معا، الذي يرتجل في مجمل محطاته، ولا يتوقف عن ذلك، وهذا بالضبط السر، الذي يقودنا القدر إلى المضي نحو المحطات التي لا تكشفه لنا.. لأجل أن لا نجزع جزعَ المفضوحين، الذين سترَ ذلك السرُّ انكشافهم وعريَّهم عن أنفسهم والاحتمالات وفكرتهم عن الهزيمة.. لا يمكن لنا كبشر أن يغالبنا شكٌّ في حجمنا أو عنه، والدليل المحزن والقوي في آن؛ أننا نعيش سعاداتنا الخجلة، ونقيم تآبيننا والعزاءات.. بنفس الوتيرة، وبذات القدر من الطاقة والتفاعل.

نعيش المشاعر الكبيرة في حياة كل واحد منا وفق مقتضيات هذه المشاعر وزمنيتها وكمِّها.. صار كلّ موقف محض موقف فحسب، يبدأ وينتهي هكذا ودون تسميات أخرى.. منذ بداية تاريخ الإنسان، المحشو بالهزائم والقبول والتكرار والعادة.. لا أدري إن كانت الحكاية جديرة بكونها حكاية أم أنَّ هناك فارقًا جوهريًا؛ يؤسس لمجدٍ ما وراء ذلك كلّه!. 

إنني الآن، وبعد سنوات طويلة من السعي وراء الجواب، أقف حائرًا ومذهولًا أمام أي استفهامات تعاجلني حول حكاية الإنسان، أضرب كفًّا بكفٍّ بصمتٍ ثقيل ومقيت ولا يكف عن صمته.. مؤجّلا كلَّ شيءٍ لحين انتهاء هذه الرحلة العقيم المُسماة "الحياة".. لأعيش كما ترى البيولوجيا ذلك، مكملا هذه البرهة الزمنية التي تساوي سيناريو طويلا بسكوتٍ يكبر ويكبِّرُه كلُّ دقيقةٍ عجزي عن الجواب. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...