الكاتب: هاشم شلولة
يعرفُ الصالحون بعضهم بعضًا، عندما تلتقي عينُ الصالح بعين أخيه.. فتصنع الابتسامةُ نفسَها أوتوماتيكيا كتجسد لالتقاء الأرواح. يعرفون بعضهم عندما يلمح واحدٌ منهم الآخرَ في الشوارع العامة، والمقاعد التي على جوانب الطريق، في المقابر عندما يزورونها من أجل الحديث مع مصيرهم الحتمي، في زوايا العبادة والاعتكاف، في المحاريب.. في كل شاردةٍ وواردة وعارضةٍ ودائمة.. موازةُ العيون مدخلُهم، ووقوع التآلف سكنتهم، وبداية الكلام ارتقاءُ الصداقة.. يعرفون بعضهم قبل التعريف، وقبل منطق الأسماء والصفات، وقبل اللقاء.. هي لغة الله الواحدة الجامعة، التي تستظل بها لغات العبيد.
إنَّ الصالحَ، التاركَ الدنيا وراء الروايات، ووراء الحرف والصرف.. الصالح الجميل، الذي يغدو أكثر جمالًا كلّما حضرت مُقبِّحات الزمن ودمامته، أو حاوطته.. وحده يرى ما لا يراه العاديّ، يدركه، ويتآلف معه.. لأنَّ به نفس الله، الذي لا يخطئ الشهقات وملامح الإدراك، وما لا يحتمل الإشراك.. غربته عن متاعٍ طارئ تجعل منه العابرَ نحو نفسه، متخففًا من جملةِ الدُّنا والحاضر السقيم المؤقت مؤقتيةً تُعجِزُ الذهنيةَ التي من طين لازب وتُشقيها.. كلُّ ذلك جاذبٌ للصالحين، ومُجمِّعٌ لهم، وصائغٌ للألفة بين الظلال النقية..
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ (63)
_سورة الأنفال.