التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبَّحناك

 الكاتب: هاشم شلولة 


نحن الذين حملنا تواريخنا الصغيرة فوق أكتافنا، وألقينا بها في دائرتك.. عرفناك قليلًا حين اقتربنا كثيرًا، وحين فهمنا مفردتَيّ الفقدِ والكسبِ فهمًا قاسيًا صادمًا.. لم نجد إلّاك حين فقدنا كلَّ شيءٍ، وما فقدنا سواك حين وجدنا كلَّ شيء.. عرفنا صفاتِك، ونحن ننقبُ عنّا في جلاميد الزمن، فهل تفاضلنا على اللغة أو تفاصحنا حين وجدناك؟ 


كان كلُّ شيءٍ مُتعَبًا من كلِّ شيء، وحين استفسرنا عمّا يبلُّ ريق خطواتنا، ونحن نقطعُ المسافات بدماءٍ في الأقدام التائهة.. كنت خيرَ تفسيرٍ، وتأويلًا نراه في رزق طيرٍ ضال، حياةً لجنينٍ في أحشاءَ رطمتها الحياةُ، وكانت الأمُ في الغياهِب تسأل عن وليدها.. بعد أن تقادَمت فينا حيرةُ الباحِثِ عن وجلٍ؛ هو سقف ما نريد وصوله. رُفِعَت راياتُك برفعةٍ ورفق؛ لتدُلَّنا.. ومن بعد ذلك؛ نستدلُّ بها عليك، علينا وعلى آياتِك التي لا مناص من عمقِ ما تتركه فينا، وفي دمنا وارتجالاتنا في أفقٍ عادلٍ كرُباك.. رُباك يا أوحد! 


جئنا إليك؛ من تواشيح المؤقت إلى وحيٍ سرمديٍّ.. نسألُك ولا تسألنا، لتردّ على النداء تقاديرُك، فنسمع وتسمعنا لذةُ اقترابِنا منك اقترابًا بمؤقتيّتِه أبديّ.. لنعرفَ أننا، وبكُلِّنا وما ملكت أيمانُنا لك، تُراسلُنا رحماتُك، وإلينا ترسلنا بأمرٍ منك لا ريب فيه.. جزاءً قد لا نستحقه بموازينَ من أديم، ونستحقه بموازينك العظمى.. خيرُ مُقسِطٍ، عدلٍ.. لك الرجاء وجوبًا وذُلًّا للنفسِ ما أكثره من عِزٍّ، به نكبُر وعلى الخطيئة نستكبر.. مستمدين شُحنتَنا من محاريب بها لك نتهجد ونعلو.. وإليك نسعى ونصلي ونبكي ونحفل الدمع ونسجد ونعبد.. 


جئت إلينا، وأنت في مكانك متجليًا عاليًا شاهدًا.. حين تركتنا الدنيا بلا أعمدةٍ، نُلقي بأظهُرنا علينا بعد أن قصمتها قوابِلُ الأمور وأواخرها.. جئتنا بكرمٍ لو كان بمقدار حيوانٍ كثيرةٍ لم يُنقِص من مُلكِكَ مثقال ذرّة، نستكثره على طينٍ مرَّ بالخبائث مرّةً فاستحلاها وتاب، وإنَّ ندمًا لم يسكُت لهيبتِك وهِباتِك.. لثانيةٍ لا يغيب؛ استحياءً منك وخجلًا، لهذي المرّة، ما أثقلها توازيًا مع خفّتِك.. وتوازي الثِقَل مع الخفّة استعظامًا لا مقاربة أو مقارنة.. 


كنّا على أهبة الوصول باستمرار، ومررنا على الطوابير، ألقينا التحية كأنَّ خشيةً منك سكنت أواصرنا، ومن ثم انتبهنا؛ لأننا إن لم نساكن آياتِك سكنًا فسيحًا؛ فسيهلك الزرع، ويتوه في الأحداثِ روايها.. يا أجمل منتهيات التخيُّل دون مبتدأ أو بدء، عرفناك مثلُ نسمةِ هواءٍ عمياء لامست طرف جناح طائر حزين، والحزن يسجد كالروايات القديمة في رحابك.. اخترتنا، وباختيارك لنا كان اختيارُنا واضحًا، في الصبح، عصرًا، وبعد مغارب كثيرة أو قليلة.. وعند عشاء الذين صلّوا متأخرين، أيقظنا الوصول إليك؛ لنكمل الصلاة، فنكتمل، وتُكملُنا نفحاتُك الطُّهرى سطرًا من أسطر الأبدية.. سبحناك أبدًا خائفين من الجمال، وجمّلتنا لنصير مسبّحين، وفي خيام سميتها زواياك عابدين ومعتكفين وشاكرين وحامدين وخارّين سجودًا.. وممتنين

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...