الكاتب: محمود الجبري.
محمود الجبري، هو كاتب فلسطيني شاب من خانيونس، جنوب قطاع غزة.. صدر له مجموعة شعرية واحدة، بعنوان: "هل تتأخر البداية". وقد كتب هذا النص لي، نعبيرا عن علاقة شاعرية تجمعنا، و يعتبرني واحدا من الذين أخذوا بيده نحو عالم الشعر والمعرفة..
هاشم الذي أعرفُه كما أعرف عجزي التام عند الحديث عن تلك العلاقة الوطيدة، الحقيقية والتي تجمعني به، بيد قِصَر قامتِها، المطلةِ من نافذةِ الشبه على اتِّساعٍ لا مثيل لزرقته. تكسّرت كلُّ أسنان الفواصل، وكلُّ معاني الالتحام تلاقت.. لأن كلمةً ما نسيتُها في سترة البداية؛ التي أهداني إيّاها عند أول نظرةٍ حالت بين جسديّن يبكيان على رابيةٍ متشابهة وبعيدة.. لكنَّ المكان الذي يحول بيني وبينه وهمٌ مدرعٌ بمجمل صور الحقيقة. نساور بعضنا باللغة، ويعطيني العصا كي أرى قافية الأرض؛ فأنتبه..
يخطُبُ هاشم بحواسي خطبةَ الغد الثقيل بكل خفته، فأدنو من ضوءٍ يرشده مسيرُ الظل، كي لا أعمى من تضادِّ المعنى المعلقِ من عينيّه المجروحتين؛ إثر التعري الكبير من كآبة النضوج.. أسألهُ عن نفسي، فيجيب نفسَه بسكين تاريخٍ عالقٍ بين مفاصلهِ، تاريخٍ سائلٍ من كل غرابةٍ تساورها نارُ البعيد..
بيوتٌ كثيرةٌ بيننا، أقفالٌ وتجلٍّ وحرّاسٌ وملحمةٌ وأيدٍ ملوّحةٌ للهوامش المنشودة من قلبينا المتعبيّن من هذي المدن المدرّعة بالحدّة... بيننا كل ما هو شهيٌ للموتِ المترف بالحياة.
جلساتُنا المتحاينة عفويةُ الإطار، ومبتورةُ الحيلة؛ تهدسُ باسم كلِّ غائب، وتنسى تلامُسَ الحاضر.. من أجل أن نسعفَ سؤالَ الذاكرة بثقلِ الكلام، ونشربُ الحسرة بفضول المترقبين الغد.. لكن عيونَنا بنيةٌ بما يكفي، وتسبح في خنجر التأمل، وتنعت بالنَّعيِّ كل هواء دخيلٍ على المشهد الساكن..
يا لسخونة المائدة التي تريح ساقيها في دمنا المشلشلِ بالذبائحِ وبالصيادين العاطلين عن الركض.. نخبز سمعَنا بقصائد ذبيحةٍ، ونرتل آيات المواسم المقفَلةِ على برودها ونصمت.. نصمت كثيرًا؛ لأن الصمت سيدٌ إذا ما حل بالمكان شبهٌ بعيد..
يا صاح، تركتُ اللغزَ خلفي؛ أدرِّبهُ على حكِ صحوكِ فيَّ، وتركتُني ملهاةً للنار؛ تلفُّ قافيتَنا المتجهةَ إلى لااتّجاه.. لأسامرَ ضاحيتَك الخريفيةَ بكل صورها، بالحنين ذاتِه؛ الذي يلتحفُني عند تضادِّ الأجساد وسيّرِها في طرقات معكوسة.
دمت صديقًا، أخًا وشاعرًا استثناءً.. دمتَ شريكًا لموائد اللغة والانتظار.