الكاتب: هاشم شلولة
قد يكون من العاديّ الاستئناس بالرواية، لكنّه ليس عاديًّا البحث عن زوايا الاستفهام فيها.. لأنَّ السؤال يصير جرحًا باليًا كقطعة قماش قديمة. لا أريد أن تكون مشاعر استبصار الأشياء مجرد عبثٍ عارٍ، لكنّي بشرٌ بما يكفي لأرى ما أرى، وبهذه الطريقة المؤلمة.. كيف يتعب الإنسان إلى هذا الحد؟ أو كيف يراكم هذا التعب دون أن يدري أو ينتبه؟ هل يوجد مكان من الاعراب لفكرة الولادة لميت؟. بمعنى أنَّ التواريخ والمزارات والخطى تموت في مواقيتها وسررها الأولى.. تموت بصمت مختنق، ودون همس أو صوت.
يركضُ في الأرض جمعٌ من الجثث الخشبية، التي يلاوحها الهواءُ، ويعبث في مضامينها المفردة، وذات اللون الواحد.. لأنَّ الذئاب التي انهارت على جوانب الطريق؛ كانت تعرف وتدرك أن الصور السريعة مجردُ اختزاناتٍ افتهاميةٍ تجسد نوحةَ المكان وبلوغَ صوتِه للذُّرى المتناثرة في فضاء السؤال عن البداية.. ذلك الفضاء الكاذب والملعون، الذي لا يمكن لك التعبير عنه إلّا صوتًا لدانتي أليجري وهو يهزأ من كل الحادث والحادس والهادس والموفور... يركض الجمع ظنًّا منهم أنهم لا زالوا على قيد الهواء المجرد من الغبار، ومن قنوات الارتباط باللامعقول من كل شيء، وكل إصابة للغة والوهم وحاجتنا لكليهما.. هكذا؛ ستعرف السواقي كُنهَ الضيف وسره.. ومن ثم ستدور دائرة الاعتقاد على ما لا يريح اعتقادًا براحةٍ مأخوذة من فم الطير الجائع، الذي طأطأ رأسه أمام أمانيّ أهل الشعر المنصوبين على الساريات كالأعلام؛ لهم أهلٌ بلا أهل، وكذلك أولاد وبنات وسُقاة ورفقة ورُبا وحدود.. إن الجمعَ آثمٌ وزنيم ومنهك إلى حدٍّ يجعل الرائي الذي فيك يتعب إيحاءً ولا يسخر من هذا الإيحاء.. لأنَّ وقتًا حرمته الأغاني من زيارة خيمةٍ تسعى إليها الرواحلُ التي بلا زاد وقابلة ومنتهى. تركضُ كل الأشياء كما تموت وتسقط في نفسها وفينا.