الكاتب: هاشم شلولة
أنا لستُ ناقدًا، ولا أطمح لذلك، ولم أكتب لمحمود من هذا المبدأ.. بل كتبت شيئًا أقرب إلى القراءة الانطباعية من حيث التسمية لتجربة محمود الاجمالية، كتبت الذي كتبت من منطلق ذوقي محض.. وبعيدًا عن لغة النقد المنهاجية. ولو كان غير محمود ما فعلت، لأسباب أعرفها وإياه.
_الآن سأبدأ في القراءة التي حاولت ثكيفها قدر المستطاع
يقول البنيوي الفرنسي الكبير رولان بارت: "تنتابني أحياناً، بدافع الانجراحِ أو الغبطةِ، رغبةٌ في أن أَهوِي." هذه أول عبارة ستُغالب المُطل من أي أعلى على تجربة محمود الطازجة والفوضوية إلى حدِّ الترتيب.. ليس من منطلق الرغبة المفهومة سلفا في التداعي والولوج في هوّة الوعي السحيقة. بل من منطق التداعي الحر الأزموي، الذي يأتي بعد تجربة عفوية مع مجموع السقوط الكلّي، المتوزع عفويًّا على حياة هذا الشاب، الذي نشأ بالتوازي مع حالة تطبيع ضمنية وجمعية مع الحرب؛ تقسمت بالتساوي العادل على الأفراد هنا، في بقعةٍ لا يعيش فيها إلّا الموتى. وفعل الكتابة عن السؤال والهم الوجوديين، وشرحهما وتشريح ذراتهما في قالب قصائدي جامح وفي بلادٍ مُثقلة بالجثث والموتى والصارخين كغزة.. قد يبدو فعلًا غير مشروعٍ أو واقعيّ. باعتقادي أنَّ كبوةَ الشاعر واقعُه.. لذا فإنَّ ما يكتبه محمود هو بالضرورة شعرًا.. شعرًا خالصا وغيرَ خاضع للماكير التكنيكي الممنهج والثابت منذ مئات السنين. يتماثل محمود في شاعريته مع البركان.. حيث أنَّ مقذوفاته الفنية فيها الغث والثمين في آن؛ لكنّه يترك هذه المقذوفات كما هي في قصيدته دون التفريق المنشود بين غثّه الفني وثمينه.. لذا فإنَّ قصيدته حقيقية بما يكفي، وحالمة بما يكفي، وفتيّة بما يكفي وناضجة وغامضة وواضحة وفوضوية ومرتبة.. وهي كل ذلك مجتمعًا.
لا يرقُب هذا الفتى في نطاقٍ أدبيٍّ إلًّا ولا ذمة.. وبهذه الانتباهة معكوسة الدلالة، يمكنك كقارئ وذوّاق أن تلِجَ لهذا النوع من المناورات الجريئة، التي لا يمكن تصنيفها أو تسميتها إلّا شعرًا.. بل إنَّ الشعر في وقتٍ كهذا، لم يعد إلّا هذا.. يقول محمود: "خريف سيّر الصفات إلى انعكاساتها/ كسّر مراياه على عجلٍ/ وضاع.." وأمام هذه الانخطافة الصورية القويمة، التي لا تبدو إلّا مدهشةً في سياقها، أراني مشدودًا لسؤالٍ تعجبيّ أظنّه شرعيا في هذا المكان، وهو: أيّ فتية هؤلاء الذين يصرخون في الأرض دفعةً واحدةً وفي سنٍ مبكرةٍ كهذه؟. أيُّ فتية هؤلاء الذين يلتقطون هذا التأمّل الذي يخض حالة المألوف في القصد الشعري خضَّ الجريء والمتمكن والواثق!!.
مفردات الضياع باختلاف أشكالها وتشكيلاتها موجودة بكثافة وانتشار في حقيبة محمود، وهنا نستطيع التقاط مضمون لاوعي هذا الشاب، ذلك المضمون الذي يؤكد حالة التشويش التي يحياها الشاعر عن غير قصد أو انتباه منه.. هو وجد نفسه فيها فقط، وعبّر عنها كطفلٍ دخل واحدة من محلات التجميل، واعتقد بعض منتجاته قطعة حلوى.. وفي ومضةٍ يؤكد ذلك قائلًا: "بدايتي صراخ/ نهايتي صراخ" وهنا.. بالضبط هنا؛ يتجسد ويحدث وهج الضياع بطريقة محمود.
يقول في قصيدته التي بعنوان "ضجيج": "لا أملك إلّا وجهًا من زجاج/ ودمًا من رائحة التشظي/ يفور من كل بحر" ليذهلك هنا بفكرةٍ تتشابه وفكرةِ ألا صوت يعلو فوق صوت الخفّة.. وقد أجدني أعتبر هذه الجملة وصفًا واجبا ومتناهي الدقة للغته المشوشة بكل خفتها، الثقيلة والانسيابية في آن واحد؛ من أجل الدخول إلى عالم تصاويره الفنية، هذا العالم المُحتَقِن بقدر انسيابيته.
يُشكّل نص محمود قفزة ليست مجنونة بقدر عاديتها إذا ما قورنت بانسحابه الأعمى من واقع الحياة العادي والرتيب والممل.. إلى التشريح الدقيق والمتاهي لحالة الضياغ غير المقصودة التي ذكرتها آنفًا عنده كشاعر حالم. لغته الشعرية هجمت على قارئها هجومًا ناعمًا، وتأبَّطَت وعيه الذوقي ساحبةً إيّاه من أساريره ليُكمل مراقبة القيافة الشاعرية الأخلاقية التي تُبَشِّر بفصلٍ فني ملحميّ، يهزُّ جسد التفكُّر لدى القارئ بمُجمَل أشكاله، مع التحفُظ على حاجة نص محمود لقارئ مُحلِّل، يستطيع أن يكون شريكًا خلّاقًا مع النص، وأن يلتقط مرامي الشاعر العمياء بتَبَصُّر.. فهذا النوع المُهيب من النصوص هو مجموعة نصوص في نص، ومجموعة فلسفات في فلسفة واحدة، ومجموعة معانٍ في معنى واحد... ويتجسد ذلك بوضوح في جملته الشعرية، التي يقول فيها: "العمر نهرٌ يبدأ بهدير/ وينتهي بسقوط/ لا فرق بين الهدير والسقوط/ سوى الصوت" وتدل هذه الجملة على انفتاح عوالم كثيفة أمام الشاعر، لا يمكن لوعيه ذاته أن يفككها، بل تجده يرتطم بلاوعيه الحزين والجريء والمثخن بها، ونحن كشهود شبه منفصلين أو بعيدين نسمع صوت الارتطامة ونُدهَش ونذهل.. لأنَّ الجمال في هذه الحالة مفاجئ اذا ما ارتبط بسباق شبه مرتبك أو مأزوم كهذا السياق.
استطاع محمود أن يجمع بين الهم الجمعي العام، وبين ذاته كشاعر أحيانًا، وثائر ومُخلِّص في أخرى، وأخرى واحدًا يُعالِج مشاعرَه، ويقولِب نفسه في نفسه باحثًا عن اتضاحٍ ليس فريدًا بقدر ما تقتحم هذا الاتضاح الفرادةُ التلقائية وغير الموجودة في أدب غيره من مجايليه. إذن؛ محمود وعن غير قصدٍ منه، فلسف وبنى وهدم وأعاد البناء وعاش فيما بنى واستقر ومات وبُعِث في تلك القصائد... لكنّي وهو لا نعرف هل وجد هويةً للقيامة أم لا!. لأنّ سؤالَ الهويةِ مفتوحٌ على مقتليّه في قصده وقصيدته، وسترى ذلك واضحًا في هذا المقطع، الذي بمثابة رصاصة، لكنّها ليست قاتلة، يقول: "أحضر معك الحفاة الهادئين/ من نهر المدينة/ وتعال خاسرا/ نعطيك أسماءنا كلها/ مقابل نعلٍ للهوية"
وقد أكثَر محمود من ذكر الرماد أثناء سؤاله عن موعد البداية خاصته، الرماد الذي هو مرحلة محمود الواقعية والفنية، والوجودية أيضًا إذا ما وصل انعكاس الرماد على توصيف حالته الوجودية كشاعر شاب وفي المكان الذي يعيش فيه، وفي هذا الوقت بالذات.. يتنهد بهدوء، بصخب، باتزان وارتباط فيقول: "رماد هذا الوجه يا أمي/ رماد". ولذكر الرماد دون ترميز في ديوان لا يمكن تصنيفه إلا لوجو غارقًا في الرمزية يشير إلى حالة افتضاح ملحمية، جاءت على هيئة تنهيدات لفظية، هذه التنهيدات اللفظية منحَت نص محمود ذاته كشاعر وربما كإنسان قمّة في انتشال تعابيره، وأوضحَت ملكيَّته توضيحًا حادًّا كما ثبَّتَتْ في توقيع الشاعر المعنوي جماح الصفة، وصِفة الجموح، وأكَّدت بدهشة أن الطين الذي نحتَته تلك الجمل هو طين محمود الجبري، الشاب حديث السن بذاته ومجازه واستعاراته، وحواسه وفصوله... كان هذا المحمود في مواضع مختلفة طائعًا وطيِّعًا ومطيعًا.. طواعيةَ المخلِص لشرائع الحداثة ودساتيرها، وفي ذات اللحظة كان بمثابة الولد الرافض والعاصي والمتذمر منها، كان محمود نفسه وهي تبتكر لنفسها قصيدةً وقصدًا.
مرة أخرى أخيرة، أجدني أتساءل: هل هؤلاء فعلًا فتية شعر أم فتية من الشعر؟ إنهم شبه هازئين بنا، فهم بهذه التراكيب الرفيعة والعالية يضربون لطف وغضاضة تصورنا لهم؛ غير أنهم لا يتركوننا نشهد هذا فحسب؛ بل يتبعونها بتراكيب وألاعيب وأعاجيب تنداح في شمائل وحنايا هذه التجربة الإبداعية بالكامل.. حماهم الله وأيدهم بدوام هذه الروح التي لا بد لها مهما تعددت سيرة اشتباكاتها؛ فستظل دائما أكثف وأعمق.. وبما لا ينفصل أو يتغرب عن الشعر.. الشعر الذي هو هذا.. هذا فحسب.