الكاتب: هاشم شلولة
الأرواح التي تألمت وتألم، لها ما يدل ما عليها من وجوه، من طرقٍ للحديث يشترك بها كلُّ ذي ألم، من نظرات ممتلئة بالإشارات والرموز والخرائط، من خنقةٍ طفيفةٍ في الصوتِ، ونَفَسٍ فسيحٍ في الصورة، وجموحٍ خجلٍ في السيرة.. من كل ما هو استثناء في التاريخ الشخصي..
هذه الأرواح التي ترسم وجه حاملها بدقة الزمن، وحِرفيّة المكان.. تستنبتُ من الوجوه التي سواها الانتباه والانتماء عابرًا كان أو أبديًّا. تؤسس للعبةٍ أخلاقيةٍ فاتنة في العلاقة بين ما هو مرئيّ من هذه الأرواح، وما هو بادٍ من وجوه رأتها، لمحتها، أو أبصرتها استبصار الخائف المار أو الغريب..
كأنَّ الله تعالى يريد بالألم تطهيرَ النفوس، قبولَها عنده ومن سواها، تجميلَها وتحويلَها للوحةٍ من لوحات الوجود الإنساني النادرة، الفريدة والثمينة، التي تجهلها العيون السطحية؛ الفارغة من رمزيات البصيرة. ليستدل المُستدِل على فكرة الفرق بين الأرواح بأبهى صورها، وأعمق صياغاتها. وهنا تبدو التراتبيات بشكلها الحقيقي، وتتضح سردية الأفضل فالأفضل عند الله وعباده المؤمنين الحقيقيين.. بعيدًا عن أساسات الجمال الشكلي والطبقة والنفوذ.. التي صاغها بشرٌ لا يعرف عن الله شيئًا سوى إملاءات بشرٍ سواه.
قال الإمام أبو عبد الله المحاسبي في "آداب النفوس": "التيقظ أصل كل خير كَمَا أن الْغَفْلَة أصل كل شَرّ، فَمَا أكثر من يكون عِنْد نَفسه متيقظا وَهُوَ غافل، وَمَا أحب إليه التغافل عَن التيقظ وآنسه بالغفلة، وَاعْلَم أن أبين عَلَامَات التيقظ الهم والحزن ثمَّ حُسن الاستعداد لما اهتم لَهُ وحزن عَلَيْهِ، وأبين عَلَامَات الْغَفْلَة البطَر والمرح؛ لأنهما يسهيان وينسيان التيقظ؛ وَفِي ترك التيقظ ترك الاستعداد لما بعد المَوت".