الكاتب: هاشم شلولة
عندما تغمرنا ريحُ الله الطيبة، المُهذِّبة، المُرتِّبة.. تغمرنا بالتوازي حالةُ بدايةٍ قصوى للأشياء، حالةُ ميلادٍ مستمرّة، وواضحة بغموضٍ ربّانيٍّ لذيذ، لا يستشعره إلّا من سلّم طينَه لسِلال الله؛ لتحمله اليد العليا، وتمضي نحو فلاحٍ واسع وأصيل وذات معنى متفرِّع وموزَّع على كل أبجديات الذات المُسلّمة نفسها لأنزه وأعلى وأعظم وأعمق مُستلِم..
يا حبيبي يالله، يا أعدل اللغات حين تتوه لغاتنا، وتستشبه بالطريق فلا تجده، فتلمح أبصارنا المُجهدة نورَك يخترق أكوام الملح المجتمعة حول الأجفان التَّعِبةِ.. ينتشر في العين ابتداءً، فيلامسُ القلب كما يلامس الحفيفُ ورقةَ التين المبتلّة بماء المطر، وبعد التلامس؛ ينحتُ النور لنفسه مقعدًا في أقصى أقاصي الجسد، فيأمر ربُّ الأمر ببركةٍ غيّبتها دنيا طارئة عن مستأجِر الجسد، فمالك هذي الرمال ربٌّ حليم أزلي، يُنسَخ هذا النور نسخًا كحبرٍ على ورق، فيتجمّل الوجه، وبعد الوجه؛ يصير حتى الاحتمال جميلًا، وذا خارطة.. تدلُّ، ويُستدلُّ بها على أثر المعبود، وإيثار العبد..
أمثلُ ذلك توازيه الدُّنا؟ تدنو منه أو تنأى؟
لا والذي نفس الصالح في يده، ما أرى إلّا التبرُّؤ من كلّ اقترابٍ وابتعاد.. يقودا النفس أو غيرها؛ نحو ما سواك يا أشد الأسرار اتِّضاحًا، وأوفى السطور نقاطًا.. وكلُّ الكلِّ بالمشيئة كُلٌّ.. عبدٌ من الرملِ يحايث نفسًا من ذاك الرمل؛ أقلُّ من كلمة، همسةٍ أو حركةِ شِفاه، وذاك هو الكثير.. تحوّلُ العبدَ روايةٌ لك في الصدر كُلًّا كاملًا غيرَ كليلٍ.. يستبيح كلَّ جُدّةٍ بخُطاه، فلا يتعثّر بالماء، بالعَرَقِ أو الغرق..
سنمشي في رُباك حين تأذن تلقائيةُ حنوِّك في مسامات العبيد، وستمشي الربا فينا.. ما حييت الآيات، وتحوّلت الحيواتُ آياتٍ بيّنات.. سنمضي كما تمضي الرواحل صوب اتجاهاتٍ هي أنت، صوبك وأنت هي؛ حين نغيب ونشيب ونستجير بقدرِك من قدرِك.. سيدي تعلو السيادةُ حين تسفلُ في الرجاء لمن سواك أحاجينا؛ فضمَّ ليلَ أيتامٍ يحلمون إلى نهاراتك الأولى، إلى استدراكات النفس حين توقظها سماواتُ عدلٍ؛ تخصُّ الرِّاجين، العارفين مصير الرجاء..
يا قُبالة ما نُقبِل نحوه، فُتحَت يداك لعُميان بأعيُن، وأُغلِق ما سواها لمُبصرين بلا بصر.. وحين رجعنا من مشاويرَ مؤقتةٍ؛ وجدناك في الميناء رشيدًا يدلّ، ودليلًا يرشد قلبَ حِلكةٍ عرجاء؛ تستميتُ للتمدُّد.. سُؤدتُنا تُناجيك، ونحن على أبواب النعتِ؛ نحاول تصديقَ مراماتٍ دنيويةٍ كاذبةٍ خاطِئة.. المناجاةُ عرائن تحتوي أسقام سؤالنا الأبديّ نحوك؛ كمًّا لا كيّفا.. لأنَّ مجاميعَ كمِّك سائدةٌ وسيّدة، ونحن عبيد تقتلنا المحدودية، والكيف مكفول الكفاية؛ مكتفٍ.. لهذا؛ نحاضنُ آثارك، ونُصلى في نار النقصِ لاكتمالٍ في الآيات والعَبرات.. وعلى تلك الآثار؛ نحبُّ ونستغيثُ ونبكي؛ فيُبكينا كمالُك.. سبحانَك ما أكملك!