التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لا تكن خائنا للأمانة؟

 الكاتب: هاشم شلولة 


إنَّ قيمةَ الإيمان كلَّها مُختزَلةٌ في تنظيم الحواس والمشاعر لدى المومن بربه. فأنت عندما تؤمن بالله يكون فيك شيءٌ من روحه جلا علاه. فكيف تشعر بالانجذاب نحو الخطيئة؟ وكيف تحب ما حرَّم الله عليك؟ وفيك الله متجليًا وشاهدًا وبصيرا.. 


إنّك إذ تفعل ذلك فأنت تخون الله، تخون وجوده فيك، وأمانته التي أودعها فيك.. أنت لا ترتكب فاحشة فحسب، بل ترائي بها أمام من هو أقرب إليك من حبل الوريد دون حياء منه علا وتجلّى وعظُم شأنه.. فأحسب ولا أزكّي أنَّ الله يشفق على محدودية أفكار عباده عنه، ومحدودية معرفتهم له.. التي قادتهم إلى لحظة سوء تقديرٍ منهم لعظمته غير المحدودة، وإلى جرأتهم في خيانته، وجرأتهم في تبريرها.. من هنا؛ نستدرك غياب الحياء عن العُصاة، وبلادتهم ولا مبالاتهم. تجدهم واثقين من أخطاءهم وتخيلاتهم عن هذه الأخطاء، تجدهم يرون كل الذنوب أمرًا عاديًا وشأنَه شأن المباح.. وأنَّ الأفعال تشترك كلّها في كونها أفعال، بالانفصال التام عن جذر الفعل ومؤداه.  


قال العارف بالله الجنيد بن محمد البغدادي: "الحَيَاء: رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فيتولَّد بينهما حالة تُسمَّى الحَيَاء، وحقيقته: خُلُقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع مِن التفريط في حق صاحب الحق."

فمن يستحيي من الله سبحانه، يعرفه، ومن يعرفه، يصبح بينه وبين المعاصي ما بين كلِّ أولٍ وكلّ أخير.. ومن يفهم الإيمان، يفهم أنّه لا يوجد بالمُطلق بُدٌّ بينه وبين الأخطاء.. 


سبحانك ما خلقت هذا باطلًا، خلقتَ ووزّعتَ ونظّمتَ ونَظَمتَ، وعلّمتَ المحتاجَ ما يربطه بحاجته تعليمَ ربِّ أبٍ لبنيه، وأحكمتَ.. أحكمتَ كمًّا وكيفًا.. لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك. لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...