التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نموت ككل المرات

 الكاتب: هاشم شلولة 


على خلفية واحدة من الحروب الكثيرة التي شُنّت على غزة.


نموت ككل المرات؛ لأنَّ لغات الموتِ في بلادٍ كهذه متشابهة. الأصوات قاتلة والصور ووجوه الناس المحترقة والمطفأة سلفا، وحقيقة نحملها فوق أكتافنا كالذي يحمل لوحًا زجاجيًّا مكسورًا، وكلّما تحرّك يمينًا أو يسارًا تمزّقت مساحة من جسده.. الحقيقة هي الحرب، الحرب التي تنهبُ تاريخًا طويلًا من صمت السؤال عن شَبَهٍ للأمان، وربما عن لوحةٍ تجسِّد قلبًا خاليا من أبجديات الدمار.. 


نجلسُ بالباب كالعاطلين عن الرواية، نترقبُ خبرًا أو بشرى مفادها أن صوتَ الرصاصِ صار أنشودةً توراتية، نترقّبُ الله ربما.. ليمسح على هذه الأرض الجريحة بيده فتبرى من شغف القتل. إننا هنا، وهنا بمعنى صيغة المكان الثابتة، حين يصير تحوّلها الزمني موتًا غارقًا في التفاصيل، تلك الصيغة التي تهتز دائمًا مثلما تهتز عقولنا مع كل صاروخٍ يقتل طفلًا، أو ولدًا عاد من السوقِ بعرقِه، رفع لأبيه يدَه من بعيدٍ ملوحًا، وقبل أن يكمل عبارة التحية، يتحوّلُ كلُّ شيءٍ غبارًا.. 


ليس في جيبه سلاحًا، عاد من السوق متعبًا؛ قال أبيه وبكى. ظل يبكي؛ لأنَّ أسماءً أولى كفرَتْ بها الحياة، ولم يعُد للحكاية صدى في إيوانات البيوت. 


ليس أبريل أقسى الشهور يا إيليوت، يومنا هذا أقسى الدهور، وصوت أم الشهيد أشقّ ما قد يقع على عاتق التذكر حين تغالبُك الفصول، وتوثرك اللحظة على نفسها أنت ابن المكان وابن المكيدة وابن الغياب الذي فعل ما فعله ابن نوح النبي. 


ها نحن أيها الطوفان، نستقبل التحية من كلِّ مارٍّ وغريب. نفتحُ أقمِصتَنا بعناية المرتاب من وقتٍ شائك. هذا الجدل القادم من بعيدٍ على هيئةِ دمٍ تعلو مزاميره أسماءُ السائرين على جوانب الحائط؛ خشية فقدان السؤال عن الولد المتأخر في عودته للبيت ليلًا.. أين الولد؟. 


لم يمت من يعلوه قلبك يا أبي، ولم تخترق رأسه شظية، كل ما في الأمر أنَّ ملاكًا يحبُّ السمر الطويل استوقفه عند أحد المنعطفات، وأطال الحديث معه كما أطال نرسيس تأمّله في الهواء، سأله عن الأهل الذين اغتالتهم شقوة الفقد والبكاء، وعن أم سيُثكِلها ارتجالُ البنين الصاعدين على مهلهم نحو السماء.. 


صوتُ الأخبار ثقيلٌ كما صوت الحناجر حين تُنبِئُ أنَّ محمدًا لم يعُد، كل ما عاد منه عقيدةٌ كبرى، ورغيفٌ تغيّر لونه من ربطة خبزٍ كان يحملها وهو يهرب من ظلال الطائرة.. فصار دمه سؤالًا عن محيا خافت اليقظة، سائغًا بريحٍ تُذهبها نوبات قلق الشبابيك. الآن؛ هذا السؤال يحلم بمساحةٍ من الرمل الناشف، لا تتسع لأسماء الضحايا، وتضيقُ على كل نارٍ، تكوي ميلاد الضوء. 


أننام هربًا أم نعود إلى مواضع الانتظار؟ أيمكن أن يحدث هذا؟ وفي الذاكرة حشود من مواويل الوداع، واستصراخات المؤودة التي سمّاها المارون بين الكلمات العابرة هدفًا.. من سمّاها وسمّاكم؟ 


ونحن زند نارٍ يكوي عروج الأشياء، معناها ربما.. إذا آمنا أنَّ الاستقامة شرٌّ؛ فحُقّ لنا تسمية المعنى، حتى تدلُّنا المواعيد على أجلِ حربٍ تطحنُ كلَّ كلامٍ؛ قد تنبس به صفةُ الخالدين في مساءٍ يجمع بين ما تبقى من فُتات الذين شملهم قانون العلياء ومن بظلِّهم استكان حلم سلامٍ جائع.. ونحن اليتامي؛ وحدنا بحدّة الطير الجائع، وحدِّ الوقت.. نصدُّ دساتير الفقد، التي أقرَّها من في صرحه فاردًا ندمه المرتاح كأنّ المدن كلمةٌ خاطفة، وكأنَّنا حوارٌ سريعٌ للبندقية. 


نحن اليتامي كغزة الأم وشوارعها وبيوتها وكل سنتمتر فيها.. نحمل حزننا، نناغيه ونطبطبُ عليه مثل أم تفعل مع وليدها.. إهدأ يا حبيبي، نم.. نقرّبه إلى حِجرنا ونُكتّم بكاءنا؛ لئلا يصحو هذا الحزن الأبديّ من غفوته، ونُعمِلُ رفقًا حصدناه من عمرٍ مغسولٍ بالقتل والسجن والقبضة.. إلى أن تأتي طائرةٌ، تُسقطُ بيتًا فوق رؤوس ساكنيه، فيستيقظ الحزن كأنّ به مَسًّا، وبعد الصحو يظلُّ يئن، ولا ينام مثلنا والحرب والصراخ. فتكتمل المواقيت كما تكتمل كل مرة. يموت من يموت، ويُكوى من يُكوى، ولا يعود من لا يعود.. ويبقى الحزن في صحوته يرتّل الآيات.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...