التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسطيني حزين

الكاتب: هاشم شلولة 


الفلسطيني حزين، أيّ أنَّ الحزن يبني بين مساماته خططَه المستقبليّة، ويفكر بصوتٍ عالٍ.. يسامره، يردُّ التحية عليه في الصباح والمساء. يُجالس الحزنُ الإنسانَ الفلسطينيّ على أبواب الدكاكين والبيوت، على قارعة الطريق، في المقاهي، وعلى جوانب الأرصفة.. يُكثرُ من مزحاته الصغيرة معه، نحو أن تُقتلَع زيتونة، والكبيرة؛ كأن تكون تحية المساء أو الصباح شهيدًا في ربيع العمر، أو منزلًا يُدمّر.. عصفورًا داميًا تبقّى من حظيرةٍ بعد قصف، وربما حبًّا لم تكتمل تعاويذه، كأنَّ يطعن حَفَدةُ داوود عريسًا أو عروسًا؛ لم تبلُغ آيارَها، لأنَّ بني إسرائيل في مُكنتِهم الثانية في الأرض، يريدون أن يقضوا إجازة أبدِهم بسلام؛ ويخبروا لُقطاءهم بأنَّ إسرائيل أدّى الأمانة، وبلَّغ الرسالة.. 


الأصوات الفلسطينية أصوات سوبرانوية، خفيضة ومرتجفة؛ كقلبٍ تحت سقفٍ ناغته طائرة.. وهي عبارة عن نوحاتٍ مقدسة، مثل تعاويذ غجرية، مثل بكاءٍ كرديّ، مثل عزف هنديٍّ أحمر، مثل كل ثيمةٍ شريدة؛ كُتِبَ الترحالُ عليها كتابًا خالدًا وغيرَ مؤجّل.. ترصد تاريخًا من الأحداث الذبيحة، خلال ترحالٍ ممتلئ باستراحات المسافر على ظهر النياق والأحصنة والعربات التي تنقل الموتى نحو طقوس النهاية.. التراث الفلسطيني القريب قبل البعيد مُعبَّأ بهستيريا استيلاد الدم، الدم الذي يكتب الرواية كأنّه حبرٌ غامق، معتم كأيام حداد الفلسطينيّ..


الزمن الفلسطيني يساكن حزنَ الأرض، ويتبادلان الروايات والقَصص وحوداث الطرقات والأمكنة.. اللغة الفلسطينية مركبة من ملح دموع الغائبين والمهاجرين والمغتربين؛ وهي تحاضن أرضية المطارات عند لقاءاتهم بأهليهم لقاءً مؤقتًا بعد سنين عجاف.. كأنَّ اللصوص، الذين يسرقون لحظاتنا وتراث عاطفتنا التي لا تشبه سواها؛ يريدون أن يوقفوا الزمن بهذا الحزن الخرائطيّ، اليقِظ والمنتبه والمهووس بالالتقاط... لكنّهم لم يعلموا أنَّ حزننا إكسيرُنا، وجنازاتِنا مواقيتُنا المكانية، التي نستأنفُ منها التخفُّفَ من نيراننا وندباتنا ومشاهداتنا للجور والمظلمة.. 


هذا الفلسطيني، الذي كلّما آنس نارًا أحرقته، وما جادت الأرض له منها بما يُطفِئ هذه النار.. لولا فتية آمنوا بالثأر، فزدناهم إيمانًا بأنَّ هذه الأرض؛ لن يسكت صراخها قبل الخلاص، وربطنا على قلوبهم بارتجالٍ اعتقاديٍّ عميق وأصيل، يسكن عقل وقلب كل فلسطيني شابًّا كان أو شائبًا مهما استطالت كلُّ طائلة، واستشأمت كل شائلة.. يقضي هذا الاعتقاد؛ أننا جميعنا نهاياتٌ تنتظر التجسيد، وتنتظر مراسيم الختام، التي عنوانها الأرض.. وهل أرض توازي كلَّ هذا الموت؟. حقا، توازيه.. إذا سكن المريدُ المرادَ، وتشكلت الملحمة الكبرى، المدركة لهذا الحق الأزليّ، مهما استحرست الأجساد الخبيثة، واستشرست واستقتلت.. لإسكات الصوت الفلسطيني الحزين، المختنق بالرثاء.. عن رملٍ لا مثيل له، عن سماءٍ تستجير بولدانها، وبحرٍ يُبكي أهله. 


يحرص الفلسطينيُّ على ذاكرة الحزن فيه أشدَّ حرص، يربيها مثلما يربي بنيه على أنَّ لنا حقًّا عند المارّين بين الكلمات العابرة، حتى إذا جاء وقت الحساب؛ يأخذ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، فيصير الشهيد وليدًا، والكناية وِردًا وسيرة.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...