التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهروب إلى الله

 الكاتب: هاشم شلولة 


يأتي الإنسان من جوقة حطامة إلى ربه، يأتيه ببطء المُدمّى، الحاملِ نفسه والمتحامل عليها.. بعدما أغلقت الحياةُ عليه منافذ أنفاسه جرّاء قهره منها، من أشخاصها ومواقفها.. فيأتيه ربّه مسرعًا؛ كأبٍ لمح ابنه من بعيدٍ بدمه فأفزعته خلفية فلذة كبده الدامية.. يحضنه الله حضن ذلك الأب المفزوع على بنيه، ويطبطب على قلبه مثلما تفعل الحبيبة مع حبيبها. 


بهذا ومن هذا ولهذا.. نعرف أننا عيال الله وأهل بيته.. البيت الذي أسأنا فهمه باللهو والزينة، فصار مرذولًا، هذا البيت المسمى الدنيا.. تلك الدنيا القصة الخاطئة حين تعتلي سقف النفوس، والمشاوير الباطلة حين تغوي الأقدام، وما نحن فيها إلّا شهود زور.. فمن اكتفى منها، كفاه الله، ومن اغتنى بالله أغناه في نفسه وأهله بالبركة والنور وتيسير العُسر.. ومن استعف، غرس الله في روحه العفة مثلما يغرسُ الفلّاحون بذورهم على أبواب المواسم.. 


إن كنت ممتنًا لأحدٍ أو شيئ.. فإنّي ممتنٌ لله سبحانه وحاشاه أن يكون أحدًا أو شيء. إن كنت مدينًا لأحد فأنا مدين لأي شخص دلّني على الله، وأفهمني طرقه اليسيرة والمنقذة.. بعد سنوات من الضلال والتخبُّط والجحود والنكران لله والضياع والعيش في هذه الحياة كجسدٍ فقط، وهي أدنى مراتب الحياة.. فالحياة بهذا المنطق؛ تجعل من الإنسان حيوانًا يفكر، ولكنّه تفكير أعمى ومغشوش ومختزل في السؤال عن الدنيا ودروبها البائدة.. وعندما جئتُ الله بكل هذا الثقل والقلق والأحمال، خففني تبارك وتعالى من كل هذا، وأنبت الشفقة والرأفة والرحمة في قلبي، ونقلي من أدنى مراتب الحياة إلى أعلاها، وهي حياة الروح العالية والسامية.. التي تؤدّب إنسانها، وتجعله يبكي من خشية الله رقة واحترامًا بعد جفافٍ طويل. 


بسم الله الرحمن الرحيم 

"ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ (28) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ (29)" 

_سورة الرعد.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...