الكاتب: هاشم شلولة
يُستشكَل على العبد التفريق بين طول التسليم للمشيئة، وطول مسافة هذا التسليم.. حتى فكرة الطول تقع ضمن القراءة الزمنية للعبد، وليست قراءة الله. ولأنَّ التتابُع الزمني يُبهِت الحالة الشعورية الأخلاقية، المُجسِّدة للتسليم.. فعبدُ الله ملولٌ؛ تأخذُه أواخِذُ الله وتجاميلها البائدة، فإنه يسقط في امتحان التوقيت لا امتحان الوصول. لهذا؛ جُعِل جهاد النفس أعظم من جهاد التخوم؛ فهذا النوع من الجهاد يُفرِضُ بوديّة الإيمان على المؤمن قوانينَ التواقيت وجلادتَه عليها وصبره.. يهذّب في نفس المؤمن (التي قد تضيق بحاضرها لطارئٍ أو عاجل) فكرةَ أنَّ الوقت ميدانُ المؤمن؛ لإثبات إيمانه والاجتهاد في الطاعة والاقتراب من الله.. إن معرفة الله رهينة هذا الاقتراب؛ الذي كلما اتضح مسح مراوغةَ التوقيتِ أو التواقيت كلِّها له، واختباره في إيمانه. الاقتراب من الله يعني معرفته، ومعرفته تعني الاقتراب منه، وفي عرف المؤمن يصبح طول الوقت من موضّحات هذه المعادلة، فيظل يقترب، ويقترب من ربه ناسيا مغريات الحياة ومكائدها ضد ارتباطه بربه.. حتى يدرك حقيقة قول نبيّ الله الكريم عليه صلواتي ربي وسلامه أن: "الدنيا جيفة، طلابها كلابها".
يعيش المؤمن في الدنيا واحدًا، وعند الله حشدًا.. فوحدته أنسٌ مع الله سبحانه وبه، فالله جلا جلاله يدرك وحدة عبده لأجله، فلا يتأخر عن مدِّه من عنده بجندٍ مؤنسة مؤانسة.. تحفظُ له وعليه متعةَ الاتحاد مع روح الله الفسيحة، متداركًا كذبة المادة، لامسًا أجلَّ مراتب الحياة، وهي مرتبة الروح، فالحياة مراتب أخسها حياة الأبدان.
اللهم إنّي أحبُّك، اللهم إنّي أحبُّ رفقتَك، اللهم إني أحبّ قربَك، فامنحني قربَك، وامنحني حبّك، وامنحني رفقتك.. يا أرحم الراحمين وآنسَ الأنيسين، وأجلّهم وأجملهم.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.