التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إلى روح زكريا محمد

 الكاتب: هاشم شلولة 


_إلى روح الكاتب والشاعر والروائي الفلسطيني: زكريا محمد. الذي غادر هذا العالم في الثاني من أغسطس، من العام 2023. 


هكذا ينسحب الكاتب من الحياة انسحاب الوردة من أكمّتها.. ويحدث، يحدث كلّ هذا سهوًا. زكريا محمد مات.. مات الشاعر، وارتجلت أعمدةٌ بلا سقف فوق هاوية اللغات.. إنّك الآن هناك حيث غريب ومريد وبقية الرهط من أهل الشعر الكرام. حزنتُ متفاجئًا، مندهشًا، غيرَ مكترث بما بعد الصدمة، وما بعد الألم، وبعد الصدمة الأخرى والهزيمة.. 


كنتُ أرفض مربعات زكريا، وهوانَ العقائد عليه؛ لكنّها جوقةُ التجلّيات وسماحةُ الألم؛ تلك التي تقودنا من نحرِنا نحو شاعرية القصد، وقصدية الشعر.. كان وجهًا آخرًا للأشجار في بيت الطين المُغلَق، وكان بيتا بلا منفذيّن على ساحل الرواية؛ خرساء كانت أو ذات منطق متعدد الألسنة.. هل نُطقٌ تجدد في هوام الليل أم كَلِمٌ جديد؟ 


كان واحدًا في كثير ومن كثير وإلى الكثير... من الذين قالوا الشعر عند ملحمة الذبول وحولها. لكن؛ في كل مرة كانت تسعفه واحديته وشجاعته الفنية المبتعدة في القصد والمقصد.. وفكريةٌ أخذت من بين أسلاك الأبد الشائكة حصتها في الانقياد الفني المجنون نحو جمالية بلا ثمن أو تردد أو فجيعة تشبه فجيعة هذا الغياب المقيت؛ الذي يكتنز غنائيات الكون بأكمله وأكملها.. 


لم يكن كامل الدسم في استثنائيته، بل كان المستثنى الوحيد في عوالمه الذاتية المحضة؛ التي ملحمها وقضّ مضاجعها صبحًا ومع كل مساء.. وحده وقلمه وصحيفة علّقها الرعاة على جدار بيته المتخيّل في فردوس القصيدة.. بهدوء صوته وهدوء كفره وهدوء ملاذاته؛ كان يحفر تاريخه العتيق في مدابِر ومرابض الغموض الفني الواضح.. كان يصنع زمنًا للقتل وآخر للحياة وثالث للمعنى من صخور المعرفة الفائضة.. 


لم يكتب تاريخ الجبل والساحل والخط الفاصل بينهما صوتًا أشد نزقًا من هذا الصوت، لكنه النزق المنحوت من الذاكرة الإنسانية خاصته، والتي تكدر صفو كلّ تراجع ناحية المُتخيّل الخالص، وكرمل المريع الكانطي فلسفيًّا.. 


لا أحد يحاول الإيحاء برحيل زكريا من الحياة أو الشعر أو الفن.. كل ما في الأمر أنَّ زكريا ذهب لمأدبة عشاء يشارك فيها مريدًا وسميح ودحبور.. مشوارٌ أبديٌّ طارئ، وسيرجع.. سيترك الموتَ ويرجع.. فهو لم يمُت.


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...