الكاتب: هاشم شلولة
تشاء الأقدار أن تتشابه التواريخ، وتعلن عن وحدة الغاية من أصل العمل.. لذا، كانت هجرة الحسين ثائرًا إلى كوفةٍ غدرته، وما فعلت.. في مطلع التقويم الهجري، وكأنّها هجرةٌ أخرى إلى ما يعرف الحسين عليه سلام ربّي ورحماته..
في مثل هذه الأيام بلغ عليه السلام أرض العراق، ليقول لا في وجه من قالوا نعم، إلى جانب أهل بيت رسول الله عليه صلوات ربي وسلامه، وصفوتهم وحفدته الأكارم.. ليُعاد الحق لأصحابه من منتزعيه من ذوي القبلية والعُصَب.
حطّت خيلُه نائخةً نائحةً على مستقبلٍ قريبٍ باكٍ.. بأرضٍ تسمى كربلاء، وكم رمز نريده كربلائيا.. وكم حسين نريد، وبه نكبر ونحقق ونتحقق.. هذا الذي أذّن نبينا الكريم في أذنيه، ورقاه وعقّ عنه بكبش مُستحَقٍّ.. هذا الحسين سبط خاتم الأنبياء، وريحانته والشهيد، والسيد المبارك..
ذهب وفي قلبه خشيةً ممن ناشدوه بحسرةٍ لم يخاطره على حينها شكٌّ، وقد أخبروه باخضرار الجناب، ويناعة الثمار، والقدوم على جندٍ له مجنّدة، وأقرؤه السلام.. فلبّى كشيمةٍ أصيلةٍ من شِيَم أهل بيت رسول الله.. وقبل الذهاب؛ عمل بالكتاب، وأخذ بالقسط، وأرسل ابن عمّه وثقته مسلم بن عقيل ليفصل في حقيقةٍ فُصلت منذ أمد.. فقتل عبيد بن زياد ابن عمّه حاجزًا لنفسه مقعدًا في أدنى صفحات التاريخ..
لم يحتمل الحسين ذاك، وسكنت في نفسه ساكنةُ الثأر، ولم يأبه في أن يكون لأول الأسنّة، وأن يكون خير هذه الأمة كلّها نفسا وأبًا وأمًا وجدًا.. أضيعها دمًا، وذلك لأجل الحقّ.. الحق وحده، وحاشاه أن يكون أذل أهل، فو الله الأعز.. الأعز، يا ابن بنت الرسول..
فوقف وآلُ بيته في وجه جيشٍ مؤلّف وكبير.. وحدهم في وجه الباطل، معلنين الحقّ، وأهل الحقّ أقلّة، وتلك دلالة عدد قومه الحسين مقابل جيش عظيم المادة دنيء الروح، ولم يعير الثائر رسائل الليثي وابن جعفر بهلاكه، فقد كان قرارًا لا رجعة فيه، وتلك والله ثيمة أهل الحق الرجال الأبرار.. الذين قدّموا وتقدمّوا واتّقدوا في موازاة والباطل المتأخر والخائف دائمًا..
استُشهد في عشرية محرم عطِشًا، مقبلًا غير مدبر.. ولم تشهد الحياة ولا الموت له إدبارًا، والشهادة بعدد الطعنات التي تجاوزت السبعين، وكلّها في قُبُله.. وذاك على ذاك الدليل. مخلّفًا وراءَه العار لزبانيةٍ انقلبت على الأمة، وتاركًا صرخة زينب "واحسيناه".. واحسيناه!. قتلوك، فلبّوا نبوءةَ الرسول، وقد قال: "إن إبني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره".
الدمُ دمُ الحفيد، والجُدّةُ جُدّتُه.. والسيف أحمر كلعنة بن ذي الجوشن ويزيده وعُبيده، ونور الحسين الشاهق الوضّاء.. كلُّ الدماء دماؤك أيها الثائر، والسقوط للشائه البائر.. تشهد سؤدةُ الدنيا بنحرك شهادة المُحقّ على البائر الباغي.. ووالله ما تركتك زمرةُ المحمديين، وتابعيهم ومناصروك والباكون دمًا وحزنًا أبديًّا عليك أيها المشهود والشاهد.. ما تركناك، والله ما تركناك والسيف غيمتنا التي تمطر حين تمضي لدرب السالكين، ونمضي.. وما تركناك!