الكاتب: هاشم شلولة
إنّك في كلِّ شيء يحاوط ما يقف بصرٌ عنده، ليس معنى أنّك فيه تأكيدًا على أنّك ليس هو.. بل أعماقه؛ مثل سيدة تغزل جسدًا من الصوف، والفرق كالفرق بين جبلين من حجرٍ وأحلام.. تقف عندك اليدُ المسكونة بعلوٍّ ابتلَّ بتراتيلَ من ماءٍ مالح. تسبِّحُك اليد، وتستمرئ ما يُساكِن الصدرَ من غيبٍ بكّاء كغَصّةٍ في الدنيا.. كحزنٍ يُناشِدُه جفافُ الصمتِ وغُسلُ أفنيةٍ صمّاء؛ تُنجيها حالةُ موتٍ لألوان الجسد المحروم والمختبِئ تأجيلًا للواضح مقابل غامِضٍ موعود؛ نسيرُ وفق إملاءاته حتى يأتينا يقينٌ نرقبه ونترقبه.. كتحقيقٍ لجواذب الله الخالدة المُطلقة، والاستعاذة من تشابةٍ كالدعوة لعدمه في مقامٍ يماثل ذاك المقام..
رأيتُك في النبأ المسكور، تجبُره فينتشر، وينتشر فتجبره. وكلّنا.. كلّنا يا سيدي يسترقُ من الطريق الطريقَ، ويفتّش عن مظلّات وأوبات وفُرجات.. نصعد بنباهة المرتجف، وارتجاف النبيه؛ الذي جهل نبواءتَك، فاستجهلته جمالية موازينك.. نصعد فيك، إليك.. كشوقٍ للنفس بعد موت حاضرها، وكشفِك لقادمٍ ملأته أسرارُ الحياة وجهرُها بك.. فهل بعدُ ننجو منّا على حين استعجالنا لبيانك العاجل كإنّه متأخِّر؟ وهل يسهو حاملُ صور العِباد عن كلامٍ لملمته الليالي وفي جوفٍ جريح حشدته..؟
لا يعبُر من ترتديه النعوت إلى يواقيتَ موعودةٍ؛ خبَّأها ربُّ التوريات في كنف الفِعل، لكنّه المرتدي يفعل؛ حين يُسقِط آنيّةً مُحتمَلَةً عن أناه.. فيمضي إليه، إلى نَفْسٍ تدركُ مَتْنَةَ التكوين وبُرهةَ التكوير.. يشهدُ من يشهد من عبيدِك تأخيذَك واستمالتَك نحو عبادك؛ فيُدهَش الشاهد، ويُرقَّى الناظر، ويُستثنى كلُّ ذي عُدوةٍ دنيا كما يحدث الحادثُ مع من بالعُدوة القصوى يهيم.. عقب الشهادة، يصبحُ العبد كواحدٍ من عبيد؛ في انضواء تحت اللواء، وروحه تمسح عن عوالمها دمًا أراقته الدساتير، وبإدراك جاوز كلَّ إدراك، تسبّحك وتستغفرك في المراقد والأجواء والأنواء.. لا إله إلّا أنت مبتعدًا في أناك، ناضرَ الروح والظل، تستجير بك كلُّ حاسّة تلامسُ أثرَك وبصيرتَك وبصرَك..
سار منّي كثيري نحو أقلّك، فصرتُ كثيرَ كلِّ قلّة.. كأنّي رمزٌ حوّلته حوقلةٌ حقًّا، وكأنّي غريبٌ عثرت اللقيا عليه في سوق المُحال.. ظلَّ فيَّ قليلُك، فاكترتني كثرةٌ طولى؛ توازي قلّة الآباد جميعها.. ألا فأبصر أيها الكافل قافلةً ذبحتها المسافةُ، وأبصِر من تعاودُه تفاريقُ استباحاتٍ أبدية.. فتُعيده إلى السؤال فيعبدك موقِنًا بوهَنِه، ثم تمسح يدُ يقينِك فوق جبينه؛ فيبرى الجسد، وتُفكُّ فتلات المسد.. إنّي إليك، معناي وضدّي، ثباتي ورُشدي، وكلّ سَقْيا ورَعْيا.. وإليك كلّ آلٍ.. إليك علوتَ وتعاليت بلا شريك أو شرَك.. إليك وحدك لا شريك لك.