الكاتب: هاشم شلولة
نسيرُ بتؤدّةِ العاشق؛ إذا توازى المثال والمقام، وتردُّدِ الخائف من آتٍ جلل.. نحو الانبهار؛ لخوفٍ لاواعٍ من تقلّصه الأخير، فالانبهار أيضًا يحتكم للكمّ والكيف والمسافة بين التجسيد والتفكيك.. هذا الانبهار المُصاغ بفتنة المُبهِر من الأشياء، وجهوزية المُبهَر للاستقبال والرجاء وضراوة المحتمَل مما قد نشعر إذا اكتملت فينا الرؤى، وصار الانبهار قصةً لحاضرٍ تحاصره الصور، وترقبُه حاجةُ المستغيث بالماء من الماء..
نتوسّطُ النفسَ التي فينا؛ كأنَّنا نتوازن.. لئلا نُفرط في حصّتنا من دهشةٍ أبقاها صلاحٌ عابر وغيرُ مقصود.. انتبهَت له الزُّرقةُ وأعالي الجبال ذات يومٍ وليلة.. عندما أسقطتنا مواعيدُنا في حُفرة التضاد الأزليّ؛ الممتد من أقصى أقاصي المعنى إلى عمق الغواية، فرفعنا سؤالنا عن حتفٍ باقٍ، مرتَهنٍ لما هو أقلّ من الطول، وأكثر من قِصَرٍ لأنفاس تُحاصرها فكرةُ العوض بالأشياء ومنها..
تلك الأشياء التي تؤاخذ ملامحنا عند كلِّ منعطفٍ ومفترق، ونحن في بيداء السؤال القاحلة ندور حول حجمٍ ملّكتنا إياه الخفايا، وما قد يحدث بين أبٍ وأم.. نحن الأهل الذين جاؤوا من رواية الصحراء أبناءً للكلام، والكمال المُتعَب من التجسيد، واكتمال الطريق؛ التي تنام على سرير اللغات المكسورة، والتي لم يجبُرها المعنى، وقد يجبرها الله؛ كبرهان على عدلٍ تعجزُ أولويات الاستبصار التي فينا عن إدراكه، أو استداركه.. ذات يوم من أيام حقيقةٍ ضيّعتها الفروق وسردية الحجم المرصّع بوهم الإنسان..
لازلنا نؤم مجاهيل العيون؛ عندما تغيب أبصارُنا في خرائط ما نرى من سرديات معبّقة برائجة الإجابات المتأخرة.. لازلنا نؤخّر صوت معرفتنا بالدائر، الذي هو ليل بعد ليل؛ كأنَّ ارتجافاتنا شبحُ من قطع هذا الطريق الطويل إلى نهايته. وربما لسنا كذلك، لكن جسد الصورة ينتفض حين تعود مشاهد التأويل إلى مخابئها، وحين نقطع دابر الاستفهام، فتدور الأدمغة كما تدور في ذاكراتنا الأزمنة.. أما الانبهار، فتاب عن نفسه، وذاب في حاضرٍ سكنته غربةُ الأصدقاء.