الكاتب: هاشم شلولة
الصبيُّ الذي حمل صورةَ الأمومةِ بين كتفيّه، باحثًا عنها في الطريق الممتد بين أثينا والشرق مرورًا ببيادِر الغرب؛ من المستحيل أن يعقرَ بها، وتصبحُ أمٌّ سيدةً تُشتهى في السريرة، ويُحلَم بها في المساء. هي ليست جسدًا يقعُ بين فاصلتين وراوية يستقوي الصِّبيةُ بها على أقدار الحرمان.
السيدةُ التي خبَّأت في جيبها أمومتها، وسحبَت الشرقَ من رأسهِ هاربةً هناك؛ حيثُ مجّانية الكلام المنثور، لا تُدرِك أنَّ اليتيم لا يخون، وأنَّ الصور لا تتجسَّد مالكةً أقدامًا، وهذه الأقدام عارية تتحسسُ أقدامًا أخرى بعفوية وبُطء؛ لأنَّ الأقدام التي تُصلّي على حين لمحةٍ لوجهٍ رأته رماديةُ السكاكين المُعلّقة فوق البيوت المُساواة بالأرض، والخيام المُعادَلة مع العدم الرجيم.
لأنَّ لعنة السكوت، وقدرتي على التفسير التي تفقدُ قُدرتَها كُلّما حاولَتْ نورسةٌ أم الفهمَ من خلالهم؛ تبرزان جليًّا كلما غاب الوضوح، لا أستطيعُ الركضَ لأرسم للنورسات خطًّا مستقيمًا تتعربشه أفلاطونياتٌ كثيرة، أولها أن الطيرَ يبحث عن عشٍّ، ولا يريد سوى العش.. فقط العُش، وثانيها أنَّ القصيدة التي تُلقى هي مجرَّد قصدٍ حليم، يعرفُ الله فيما يؤاخِذ ويُؤاخَذ.
السيدة التي ارتجَت من النخيل رطبًا، كان صحنُ الرُّطبِ بجانبها، وكانت تصغُرُ كلَّما كذَبَت فطنتها عليها بنبأِ أنَّ ما ينتمي للنخلِ ترسمه وجوهُ صغارٍ صعاليك زيفًا؛ لأنَّ المُدهِش أنَّ هذه الأوجه توازي أنصالًا خفيّة، علَّقتها هذه الأنصالِ في الأعماقِ حوادِثٌ مُبهَمة؛ كانتحارِ يمامةٍ لأنّها شعرَت بدنوِّ انبهار الهزيمة بعروقها الجافّة. ليس مهمًا الحضور بقدرِ أهميةِ غيابٍ تصنه الذاكرة، وتُقدّر عدد كؤوسه الضالّة العمياء، التي ما فتئت تذكرُ الملامسات الخفيفة، الرصينة الميتنة، التي يخشاها التأجيل الميت.
بعد الذي صار، بكلِّ قلّته لن أدعَ الفَرَس الهائجةَ تحفظُ الطريقَ المؤدّي للإسطبل، ولن أدعها تأكُل لحمَ السليقة، سأذرها واحدةً عند مصبِّ النهر، أناثرُها في براحِ النسيان ليس لأنَّ النسيانَ سؤالٌ بلا إجابة، بل لأنَّ الأسلاك التي تربطُ فتى بسيدة؛ يقفُ فوقها غرابٌ ذكر وزوجته دون كبحِ جماحِ أحدِهما، وفي الغالب السُّخط هو السبيل الذي تضاربته عروجُ الله في الرؤوس وقتما اهتاجَت الحُفَر وضاعَت السيدة في تأويلاتٍ تستأجرُ طابقًا في مبنى النعوت.
لن أكتشف رغم أن المهمةَ كشفٌ لجاذبية الشكل المُعلّق على حائط المسافة، بين ما أريد وبين ما تريده صيغةُ الأمهات البعيدات، أنا لستُ جرحًا أكبر من الصمت؛ فأنا له وهو لي كما السكوت، وحفنةِ تعابيرٍ لم تجُد بها من تبيعُ اللوحاتِ الفنيّة في شوارعِ المدن الغريبة. لستُ إلّا غلامًا وهبني اللهُ لأرِثَ أبي وآلِهِ غير الموجودين، ورثتُ اللاوجودَ وسعارَ الحزنِ الأبديّ الطويل، لذا؛ لن يُضيرُني وجهٌ تحوَّل ماءً شربته الأبديةُ حتّى تخمرَت.