الكاتب: هاشم شلولة
عندما تتجاوز المعرفة عند حاملها مرتبة الكفاية؛ فإنّها بذلك تشوش العارف.. وهذا الأمر ينطبق على كافّة أشكال المعرفة إلّا معرفة واحدة، إن زادت فإنها تزيد من ترتيب حاملها، وهي معرفة الله تعالى.. تجذبه نحو فلاحه في الدنيا والآخرة. إنّك إذ عرفت الله فيه؛ فأنت لا تعرف قدرما تستقيم، وتصنع لك جسرًا نحو نفسك؛ التي تقودك إلى الله، فما في الأنفس ولا نبصره لهو أشدُّ إعجازًا من أشكال المعرفة الموضوعية كلّها، والتي رصفها الإنسان الذي رصفه ربُّه جلّا وعلا..
لذا؛ فإنّه خليق بنا تصويب معارفنا وتوجيهها نحو رب المعرفة، السير باليقين، والعمل بالتنزيل، والاستعانة على القياس بين المعارف مبتغين بذلك معرفة واحدة تدّل على الله.. بذلك تحلّ البركة، ويهلّ النور، ويُبلّ ريق العارف؛ التائق إلى ما يجعل منه ذاهبًا بالتصاعد نحو نهاية الهرم العرفاني.. ولا يعني ذلك التنكُّر لعلوم الدنيا، بل تأديبها بعلم رب العالمين، وترتيبها وتسكينها وفقه.. لأنّ العلم الموافقَ له بالدنيا هو الوجه الآخر للعلم بمن وضع قواعدها، وبث فيها الأرواح والوجهتين من خير وشر.. وبذلك؛ فمن عرف عُرِف، ومن وقى اتقى.. وأي عظمة أشد من عظمة العارف المعروف والواقي المتقي.. وبالله إنّه لله تعالى من يدير دفّة الميزان بين علميّن؛ أحدهما دائم دوام الواجد، والثاني فانٍ فناء الموجود..
عندما سئل الإمام الجنيد البغدادي قدّس الله سرّه عن التفكُّر، قال: "للتفكر وجوه: تفكُّر في آيات الله تعالى، وتنبع منه المعرفة. وتفكُّر في آلاء الله ونعمائه، وتنبع منه المحبة" وقال عليه السلام: "من عرف الله، لا يُسرّ إلا به"