التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأدب كذبتنا الجميلة

 الكاتب: هاشم شلولة


التجربة الأدبية ليست بالضرورة انعكاس لمسار صاحبها الواقعي أو الحياتي.. نظرًا لخصوصية الواقع، إذا ما ارتبط الأمرُ بالتجارب الإبداعية، لاسيما أنَّ الإبداع حالةٌ من حالات الانقلاب غير الواعية على واقع المبدع، لأنَّ الدافع لصياغة الحالة الإبداعية؛ بالضرورة هو خلل في الواقع.. فتأخذ التجربة مجموعة من المناحي المحتملة التي تصب كلُّها أو جلُّها في جدول التعبير عن هذا الخلل، والذهاب التصاعدي ناحية المُتخَيَّل الذي هو روح العملية الإبداعية.


لكنَّ ما لا يفطن له المبدع، هو توغُّل المُتخيَّل في بيئته العملية.. فيحدث ما يشبه التداخل بين متنافريّن، وعلى إثر ذلك؛ يهيم المبدع ويضيع ويتوه، ويتشظّى عن مركزيته الحقيقة التي يُذيبها التداخُلُ بين المُتخيَّل الإبداعيّ والعملي المُعاش.. فيُنتَج الأدب الصحيح والمُبهِر، وتُسحَق النفس وتُطفَأ.. فتصبح أداةُ التصحيح هي نفسها أداة هدمٍ وتخريب.. لأنَّ الانتصار يكون للإبداع، وللنفس الهزيمة، وهذه هي النتيجة الحتمية، ويعود ذلك لبريق الصيحة الأدبية، وتعزيزها لإعجاب المبدع بنفسه نتيجة صناعته للعمل الأدبي؛ فيميل للإبداع بعد ذلك ميلًا قهريًّا، ويهمّش نفسَه العملية.. فيكبر الاكتئاب، وتتحقق تثناية (الهدم والبناء) مقابل هدم.. هدم فحسب.


الأدب كذبتُنا الجميلة؛ التي تكذب علينا، ويُمتِعُنا كذبُها.. إلى أن تنيرَ الأقدار بصائرنا، فننتبه ونُنقَذ، أو نكمل السير فيتم الضياع. لهذا؛ وجب علينا أن نصنع سؤالًا جديدًا للإبداع بُغية عدم الغرق في ضلالات الجمال وجواذبه. وعلى طريقة رواية "محاضرة في المطر" للروائي الإسباني خوان بيّورو، أقول: ولكن ما الفن إن لم يكن شرودًا  منظّمًا؟ 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...