التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولادة النور الكوني

 الكاتب: هاشم شلولة


_كُتبت في ذكرى المولد النبوي الشريف، لسنة ١٤٤٥ هجري/ ٢٠٢٣ ميلادي. 


الحمد لمن طهّر روحَ الأمم بمحمد، الحمد لله الذي بعثه ليُكمّل الأخلاق، ويجمّل الأعراق، ويفسّح الآفاق.. والصلاة في يوم النور هذا على سيد النور، اليتيم، الذي جرحته الحياة وشفاه ربُّها شفاء الكرماء الأجلّاء.. الصلاة على من تستجمل البكاءَ لأجله عيونُ المؤمنين الموحدين المنتمين.. صلاةً تُدنينا من الهيام به، وصلاةً تصلنا بوصله؛ فتخضرّ بالوصل القلوب.. ويغفر لأجلها لنا علّام الغيوب.. 


ولد في لحظة لا تشبه اللحظات من التاريخ، وكان وقتذاك الصبيُّ في عيبه يهيم، والشيخ في رهانه عقيم. المرأة غليظة رخيصة، والرجل سقيم.. الحياة مريضة، ويعلو هامة الزمن شيطانٌ رجيم.. فكان اليتيم الأميّ، وكان المخلّص لهذي الجموع من الجحيم، يحمل بقلبه وعلى كتفيه قرآنًا عظيم، تسترشد الغاويات به، وتدنو من صفاتها دنو العابدين من الرحيم.. وتبسّمت الشمس لهديِه مفصحةً: كريمٌ وابنُ أخٍ كريم. 


نُشهدك يارب أنَّ الصبيَّ الذي بلا أبٍ وقابلة، الذي لم يشهد مجلسًا إلّا وأحبّ شهادَته الجالسون، ولم يعهد عُهدةً إلّا ورقّ له المتعاهدون، ولم يطلُّ على مسألةٍ إلّا وراق له المُجمِعون، الذي لم يُبارح انقيادَه وتسليمَه بيد كلِّ يدٍ اجترأت عليه أو ظلّه الشريفين.. نُشهدُك يارب.. نُشهدك يارب أنّه أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح لهذه الأمّة، وكشف الله به الغمّه، وفرّق المخاوف، ونزع المُقلقات، وتركنا على المحجّة البيضاء؛ لا يزيغ عنها إلّا هالكٌ أو ضالٌّ أو أعمى أو معدومُ بصيرة..  


صلّى الله عليك، وسلّم تسليمًا كبيرًا كثيرًا كثيفًا قويمًا؛ نقوم به ونقعد.. صلّى الله عليك وسلّم عدد من صلى عليك وسلم. صلى الله عليك عدد الدموع التي ذُرِفَت شوقًا وتوقًا فسيحين. صلى الله عليك عدد الذين رقّوا لِما أورثتنا فذاقوا وراقوا وارتقوا.. اللهم صلّي وسلم وبارك على من رفع يديه وقال: "اللهم أمتي أمتي" وبكى، فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمدٍ، وربك أعلم، فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمدٍ، فقُل: إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك". 



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...