الكاتب: هاشم شلولة
بالأمس وصلني بريد من خارج البلاد الصغيرة المُسمّاة غزة، من إنسان حاولت أن أجد له صفة أسمّيه بها، لكنّي عجزت حقيقة.. عجزت لأنَّ علاقتي به ليست ذات اسم.. هي كل شيء.. كل شيء من المسميات الدافئة والحاضنة.
البريد عبارة عن ثلاث كتب، وهي: "شامة أعلى الرحم، لآلاء فودة" و"الجسد الذي تسلقته يوما، لأسماء عزايزة" و"فقه بناء الإنسان في القرآن، لكفاح أبو الهنود". باعتقادي أنَّ هذه الكتب تكفي لرسم صورة لمرسلها. يبدو الأمر هينًا على من يطلع على ذلك من بعيد، وهو عليَّ والله عظيم.
لحظة اتصال مكتب البريد بي لأخذ الكتب.. ركضت كالمصروع، من أقصى جنوب غزة إلى شمالها.. وخلال الطريق التي استغرقت ساعة؛ لم يبقَ خيالًا إلّا وزارني، رسمت سيناريوهات كثيرة، كيف سأستقبل هذا البريد.. هل أحضنه؟. هل أفتحه في المكتب؟ هل أقرأ أذكار ضبط النفس؟ ماذا أفعل..؟
القصة ضمن رمزيتها الموضوعية لا تأخذ هذا البعد الفني الضخم.. لكن ضمن ولوجها في عالمي الخاص والصغير، وعالم علاقتي بمرسل البريد.. فهي تساوي الحياة، تساوي المسافة القصيرة الطويلة بيني وبين المرسل، تساوي الليالي الطويلة التي دفنّا أنفسنا خلالها في أصواتنا.. ولم نتحسس أجسادنا، أو نتحاضن أو نذوب في بعضنا.. حضنت البريد، وكنت أتلمّس وجه وقلب وعيون مرسله..
لقد أبكاني ذلك بكاء النشوة، الدمعة الخفيفة التي تسير بتؤدة وهدوء من الجفن على الخد.. البكاء الناعم الذي تستعذبه اللحظة. إن كنت سأقول شيئًا، فأنا أنتمي إليك فحسب.
الثلاثاء
٣ أكتوبر ٢٠٢٣