التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وداعية أخ مهاجر

 الكاتب: هاشم شلولة


وداعية الأخ الأصغر المهاجر/ 

بتاريخ: السابع عشر من سبتمبر، من العام 2023. وهو يوم هجرة أخي الصغير، الذي ربيته كأبٍ يربي ولدَه. 


آه يا جرحي. كيف تلتهب بهذه السرعة وهذا الوضوح! كان عليك التريث؛ فمن ربيتُه يدنو من الأبواب، وتربّيك خُطاه نحو البلاد البعيدة. أخي الذي قبّلته وليدًا كما تقبّل السماءُ جبهةَ روح المتعبين الصغار، وتحنُّ عليهم وقت انكسارهم.. آه يا حبيبي. كبرتَ سريعًا، وكنتُ أرقُبُ كيف تكبُر. أسأل أسئلتي ذاتَها عن تفاصيلَ توازي سيرَ الأعمار نحو مصيرها. أسألُها لأضعَ الإجابة لك؛ دون أن تتجهم العناء كما كانت تفعل أمُّنا عندما كنا نرجع من المدرسة متلهفين للأكل.. جائعين، لكنّك يا حبيبي ستتركني وتهاجر، دون أن تنتظر بقية الإجابات.. ستذهب يا حبيبي، وأنا في ذات المكان أرتجف، ودموعي ترتجف، وجسارتي ترتجف، وقواي تُهَد.. لماذا أيها الأبد؟ لماذا؟ ألم يشفع لي حجمُ عائلتي الصغير؟ ألم يشفع لي لون قلوب أخوتي؟ 


أبونا شيخٌ صغير، قليل، وقد كان له ابنٌ من قبلُ ضاع، لكنّ ربَّه أتمَّ عليه النعمة وردّه إليه ردًّا جميلًا.. لكنَّ الشاهد قسوةُ ما بين السؤال والجواب.. وها نحن هنا يارب؛ تُبكينا الخواصر وهي تُطعَن من زمنٍ وحشٍ كهذا.. لم تُفطِّنُنا قلَّتُنا بحتمية فراق الأخوة، ومن بينهم أصغر يربيه الكبير كما يربّي الدموعَ قبل صلاتها على ساحل العين.. يارب، أخي سيتركنا.. سنقفل باب البيت قبل أن ندخله جميعُنا، ستُطفَأ الأضواء قبل أن أتصل به سائلًا إياه عن تأخيره.. يارب، أخي صغير مثل قلبي، وجسده ضخمًا كجرحي.. فحاوِطه بجنود قلقي وخوفي وحزني عليه لتحرسَه، وتحوّط عليه من وحشة الطرقات ودواهيها.. 


الآن.. الآن؛ كلُّ الخيالات سواء، وكلّها في ليلِ التدرُّجِ دمعةٌ تحرقُ أستار السكون ودواعي التسكين.. الآن، وأنا أرى أخي الصغير يتجهز لدربٍ كلّه مجاهيل.. سأدرب قلبي على الكِفاف فقط، كيلا آسى أكثر، وتُرَدُّ عليَّ أحزاني الهادئةُ أكثر.. فقد كان بودّي أن نكبُر جنبًا إلى جنبٍ، وكذلك نحلم، ونعانق بعضنا بعضًا دون أن يغيب أحدُنا، أو تعبث الدنيا في عدّاد دفئنا واجتماعنا حول مائدة واحدة.. آه يا صغيري.. آه كبيرة وصارخة ومدوية.. آه يا من ستغيب، وتترك هذا القلب الطافح معلّقًا على سارية انتظارٍ أبديّ.. 


يارب لطّف هذا الهامش القاهر، فنحن عيالك وصغارك. يارب أحسن تدبيره، فوعزتك يأكلني قلبي عليه مثلما فعلت الدودة بمنسأة سليمان.. يارب. 

  

*هامش/ 


هو طبيعي الإنسان يحزن ولّا طبيعي يقتله الحزن! 


أخوي هاجر من البلد، وأنا حزين لدرجة مش قادر أمارس فيها أي نشاط من نشاطاتي اليومية، والكل بقلي احزن على أخوك بس مش هالقد. يمكن الكل معاه حق، بس أنا مش قادر، مش بيدي. بضل أتخيله في كل لحظة وكل ثانية وبكل مكان. وفيه شعور كإنه دائرة بتتقلص وبتتمدد في معدتي، عضامي حاسسها مكسّرة، مش قادر.. 


هاد أخوي الصغير، كان بتعامل معي كإني أب. هو نقطة ضعفي. ربيته وقلقت عليه ليالي طويلة، وفكرت فيه وفي تفاصيله ع مدار كل هالسنين اللي فاتت.. معقول هيك وبهادي السهولة بح! فش أخوي، مش ح شوفه تاني، مش ح قعد معه، مش ح قابله ع الأكل، مش ح تمسخر أنا وياه.. مش ح بهدله لما يغلط.. طيب شو وكيف وليش! قلبي بتحسر عليه.. قلبي بيبكي وبيئن وبيتذكر كلشي وبيتخيل كلشي وبيحن.. بديش أستوعب، بديش أفهم.. ولا لازم أستوعب أو أفهم.. بدي أضل أئن وأتوجع.. آآه يا حبيبي.. ح عيش بستناك، وح ضل عايش ع إنك مطلعتش، وع إنك لسا معي في الدار لحد م ترجع.. 


أنا آسف يا رب ثقتي بحنانك ولطفك كبيرة وملهاش حد أبدا، بس قلبي يارب.. قلبي هش زي ورقة شجر نشفها الخريف، ولسا ع الشجرة بتستنى الريح. 



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...