الكاتب: هاشم شلولة.
_من يوميات الحرب.
هجرة ال٤٨ كانت أهون، لإنه النازحين وقتها كان قدامهم في مساحة وخيارات أكتر، كان في أماكن يروحولها. النازحين اللي يوم، ال٢ مليون مكدسين فوق بعض. الأكل والشرب والحمام والنوم كله في نفس المكان..المخلفات بتتراكم والسيارات بتتراكم، والبشر وملابسهم وفراشهم.. كله بيتراكم.
في كل متر بتلاقي عيلة حاملة أغراضها وملابسها وبتمشي بالشارع. المنطقة اللي أنا فيها منطقة مليانة مدارس، ما بتقدر تمرق الشارع من الريحة. أنا بسأل حالي كيف الناس اللي قاعدة جوة الصفوف عايشة! كيف بتاكل وبتنام!.. عنجد مش عارف، مش عارف كيف..! مخي واقف حرفيا. والركام المتطاير والشظايا والزجاج المكسر في كل سنتمر. وفوق هاد كله الطيران من الجو بيقصف وبيهيل بيوت بللي فيها، والدبابات بتقصف قذائف من الشرق، والزوارق بتضرب من الغرب البحر..
كلشي بيضرب فينا، كلشي بيقتل فينا، كلشي بيطحن فينا، كلشي بيشرد فينا.. الموت في كل سنتمتر، في كل لحظة، في كل نفس يا ولاد الكلب.. ولكو شو فيه!
الموضوع بيتعب وبيغص القلب وبيبكي لدرجة النحيب.. نفسي الدنيا كلها تعرف قديش احنا تعبانين ومقهورين وبدنا ننفجر من الغل عللي بيصير فينا.. اللي بيموتوا بيرتاحوا وبينجوا من كل هاد اللي احنا بنشوفه.
يبدو إنه شوية البشرية اللي جواتي وجوات كل حدا فينا، وعشت حياتي بحافظ عليها رغم كلشي.. بدت تتبخر، هي كانت بتنقص مع كل يوم بنقضيه في المكان المطرود من رحمة الاستقرار اللي اسمه غزة.. فما بالكم بحرب زي هادي فيها تساوي عجيب ودقيق ومحبوك بين الموت والحياة والأمن والخوف..
أنا حزين ومرهقَ وفيّ شحنة كراهية رهيبة.. عشت سنين بحاول ما أكره كلشي بس يبدو الامتحان صعب..