الكاتب: هاشم شلولة
_من يوميات الحرب.
إسرائيل ومن خلال حصارها لقطاع غزة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، قدّمت لما حدث يوم السابع من أكتوبر، بل وسهّلت الطريق له.. وجعلت هذا اليوم نتيجة طبيعية للخمسة عشر التي مضت، وذلك للأسباب التالية:
الشاب الفلسطيني المحبوس انحصرت أمامه الخيارات، وتحددت.. إما الهجرة خارج غزة للبحث عن حياة غير محاصرة، وهؤلاء أكثرهم أصبح رقمًا ومنجِزًا في العالم؛ لأنَّ من ذاق الضيق تفوق في الفسحة حسب أدق نظريات علم الإنسان. وإما الانخراط في الحالة الفلسطينية الغزاوية خصوصا، المحشوة بمفاهيم وأدبيات الجهاد. وهذا بالطبع مدعّم بواقع الحروب الدورية والقصف والعدوان.. هذا النوع من المفاهيم المألوفة لكل إنسان في غزة جعل من الموت شهيدًا هاجسَ هذه الفئة من الشباب، ولكل إنسان هاجس.. فانغمس هذا الصنف في تلك الحالة المشحونة بالآداب العقدية الجهادية، التي من شأنها تقزيم ومحو أي تعلق بالحياة الواسعة التي يرونها خارج غزة، ومزيد من الرغبة في الانتقام من السجان الاسرائيلي.. وإما أن يجتهد الشاب في دراسته الجامعية فيتفوق، ويجد وظيفة حكومية أو وظيفة في وكالة الغوث والمؤسسات الأهلية.. وهؤلاء أيضًا يوازون الصنف الثاني في حالة الانغماس القصوى في أهدافهم وتحقيقها، لصعوبة الحصول على هذه الوظيفة واشتداد التنافس.. والأهم؛ لأنَّ هذا النوع من الشباب "الكادح" حسب تسمية مصطفى حجازي في "سيكولوجية الإنسان المقهور" يبحث عن التعايش، والتعايش هو أقصى توازن قد يلمسه الإنسان في غزة..
تعتبر هذه الأصناف نتيجة موضوعية لحصار قاسٍ وعنيف وخانق.. فرضته إسرائيل في كل شيء على شباب غزة، فتساوت في نظرهم الحياة وعدمها. مما قاده ذلك لاستثمار تلك الحالة التي عنوانها: "لا أشياء نملكها لتملكنا" فكان الجنون الجميل الذي رآه العالم في السابع من أكتوبر وذُهل به.. وفُرِض على عقل المشاهِد لما حدث سؤالٌ قسريّ ومركب مفاهده: ما هذا وكيف ذلك؟!
تشترك هذه الأصناف من الشباب وغيرها من الأصناف الأخرى الثانوية في القهر، القهر الذي يفعل المعجزات، ويوطّد علاقة النفس بدوافع ما تقوم به من جنون أو تعقّل أو حتى حكمة.. إذن؛ فعلى إسرائيل أن تفهم أن الضيق يؤلّف بين القلوب والعقول، ويوضح العقائد، ويصنع المعجزات.. ويقود إلى سبعات أخرى من أكتوبر إن لم تكن هذه هي السبعة الأخيرة..
للموضوعية أنا لم أتفاجأ من حالة الجموح والاستبياع التي رأيتها في عيون وخطوات المقاتلين.. لأنني أعرفهم جيدًا، وأراهم كل يوم وفي كل مكان؛ فمعظمهم أبناء صفي ومدرستي وحارتي والمسجد الذي أصلي فيه، ومنهم أصدقاء وزملاء.. وأحفظ جيدًا نَفَسَ القتال الذي يسكن عيونهم، والشراسة والانتقام المقيمين في ملامحهم، وانتظار لحظة الموت في سبيل الله.. لكنّي تفاجأت من الحدث بالكامل، شأني شأن الإنسان الفلسطيني في غزة، الذي فقد الأمل جرّاء تراكم الخيبات والضيق المعيشي والنفسي والاجتماعي..
أيضًا؛ قدرة حماس الاستخباراتية والإعدادية والتجهيزية الدقيقة التي شاهدناها جميعا، لم تأتِ عبثًا، بل جاءت من خلال قيادة دفة الأجهزة الأمنية الفلسطينية المتفوقة في عهدهم، والجميع يعرف ذلك من خلال سيره في الشوارع في أي وقت كان باطمئنان، ومن غير خوف من مصيبة أو جريمة، والمذهل أنَّ الدوافع المنطقية لحدوث الجرائم والمصائب أكثر من أي دوافع وأسباب أخرى.. أكسب ذلك حماس قدرةً تكنيكية؛ نقلتها صوب جيشها العسكري، الذي حشدت كل مكتسباتها المادية في ضبطه وتكبيره وتعفيشه.. على مدار خمسة عشر عامًا..
هناك شيء أخير، إسرائيل ونتيجة تفوقها في الحروب الأخيرة من خلال تدمير البيوت وهدمها فوق رؤوس المدنيين، وكرمها البخيل في إدخال بعض الحاجات اليومية لغزة وشنتة العمادي وتوفير بعض فرص العمل الرديئة لعمال غزة العاطلين عن العمل.. اعتقدت أنها ردعت المقاومة في غزة للأبد، وأحكمت القبضة عليها، فاسترخت ووضعت قدميها في "طنجزة ميّ باردة".. وهنا تكمن عبقرية المقاومة في تدعيم هذه الترنيمة لإسرائيل، لدرجة أنها وقبل هذا اليوم الكبير بأقل من شهر دعت لمسيرات العودة، كأنها تقول لاسرائيل لا جديد، الأمور كما هي، وجعلت الجميع يصدق ذلك.. وجعلت الأمل في نفوس أهل غزة يحتضر، وعندما اقترب من لحظة الموت أعادت ولادته ولادةً بِكر سهلة رغم عسر ولادة البكر، وقتلت كل أسباب الموت.
هذه كلمتي الأكثر حكمة حسب معرفتي بنفسي، رغم تعدد المواضع العاطفية خلالها، لكن من يعرف غزة.. يعرف أنَّ العاطفة هي السبب الميتافيزيقي وغير الملموس أو الموصول إليه.. لما حدث ويحدث الآن.
هامش: لقد اهتز بيتي أكثر من ثلاث مرات خلال كتابة هذه المقالة الصغيرة، ومن تداعيات الخمسة عشر عاما التي مضت.. أنّه ومع كل هزة، كنت أبتسم، وأقول: أوكّ نكمّل.. إنه الانغماس!