الكاتب: هاشم شلولة.
جمعتني الصدفة بالكاتب والناقد الفلسطيني: محمد نصار، عند إحدى نقاط الانترنت الممتدة على طول أماكن النزوح في خانيونس.. عانقته عناقًا طويلا، وتحدثنا كثيرا عن كل شيء، قال لي أبو خالد: أقسم بالله نفسي آكل لقمة بدون م أحس طعم الرمل فيها.
ملاحظة: أبو خالد رجل ميسور الحال، وعمره اقترب من ال٧٠، وكان يسكن في بيت أشبه بالڤيلا.. لقد آلمني ذلك كثيرًا.
*
عند نقطة انترنت أخرى، جاء رجل لأستديو تصوير قريب من النقطة، حيث كان فرح هذا الرجل قبل الحرب بأيام، وجاءت الحرب ولم يأخذ صور العائلة من الاستديو. قبل أيام جاء ليطلب الصور كذكرى لأهله الذين ماتوا في الحرب جميعا..
*
صديقي محمد مريض الانفصام، كان يدرس الطب في السودان، وبسبب مرضه لم يكمل دراسته، حيث جاء إلى غزة عام 2020 فدرس الأدب الإنجليزي وتفوق جدا.. لم أره منذ تسعة أشهر، أول أمس وعند نقطة انترنت ثالثة، مرّ من أمامي.. كان يبدو كمجانين الشوارع، ملابسه ممزقة ووجهه أسود ومغبر.. وين يا محمد؟ قال لي: أعرفك أنت هاشم شلولة. قلت له بدهشة وحزن: وين كاين؟. قال لي: مروّح من عند شكسبير، هاد زلمة بيكتب شعر زيّك. وغادر مكملا طريقه دون حرارة لقاءٍ توقعتها منه، وكأنّه لم يعرفني.
بعدما غادر، سألت صديقا آخر عمّا جرى له، فقال لي: قُصِفَ المربع السكني الذي يعيش فيه، فانهار منزلهم على من فيه، استُشهِد والده وأخته، ونجا هو بأعجوبة.. وفقد من بعدها ما تبقى من عقله.
_نقاط الانترنت هي أماكن يوجد بها راوترات، يأتي الناس إليها لفتح الانترنت، تكون في الشوارع أو أكشاك صغيرة أو على أبواب أصحاب الراوترات.. تُباع فيها بطاقات ورقية بها كود لفتح الشبكة مقابل شيكل أو اثنين أو أكثر.. حسب جودة الانترنت.
***********"
عندما قُصف منزل جيراننا آل أبو عكر الكرام، كل ما حدث يشبه ما يحدث في كل بقعة في غزة، بالتالي كان هناك نوع من الاعتياد إلى جانب حزن وخوف عاديين.. لكن الذي أنزل الدمعة من عيني، وأحرق رأس قلبي.. هو أننا عندما أخرجنا الشهداء، لم نجد ما ينقلهم.. الحي خالٍ من السيارات، ولم يأتِ إسعاف.. وضعنا الشهداء على الأرض، وبدأنا ننظر في وجوه بعضنا نظرة العاجز.. إلى أن جاءت بعد دقائق كارة نقلتهم، ثم عدنا نتأكد هل ظل منهم أجزاء أخرى أم لا.. يُذكَر أنّ هذه العائلة فقدت ابنا لهم أول الحرب، وأمهم مسجونة منذ ستة أشهر، ويعيشون فيما تبقى من بيتهم المقصوف أصلا.. مات أبوهم وابنهم وحفيدان.. كانوا من هواة الحياة.
*
التقيت صديقي مؤمن خليفة، وهو أحد أهم الأسماء في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، تبادلنا الحديث حول تجاربنا في النجاة من الموت، حدّثته عن مرات نجاتي القليلة، وحدثني هو عن مرّات نجاته الكثيرة جدا بسبب عمله في أوقات وأماكن الخطر.. قال لي: أنه ضمن عمله في التنسيق لإخلاء المرضى من مستشفى الأمل، كان يحادث جندي التنسيق، وقد أعطاه الأمان.. بعدما أغلق مؤمن سماعة الهاتف معه، أرسل لصدره رصاصة قنّاص، ولولا لوح زجاج كان بموازاة مؤمن لاستقر في القلب، لكنّ إرادة الله بأن يحيا جعلت الرصاصة تنحرف قليلا لتستقر في الكتف، مكث في العناية المركزة فترة من الزمن.. فتح عينيه فوجد الجندي الذي قنصه فوق رأسه، فقال له: مكتوبلك تعيش، المهم تكون تعلمت الأدب ومتكترش كلام وأنت بتنسق عشان ما تتعاقب بالموت. قال مؤمن: لقد رأيت العالم الآخر، ولا زلت حتى اللحظة أشك في أنني حيّ!
*
بينما أسير في غرب المدينة، بين المنازل المدمرة، إذا برجل يرتجف بلحية طويلة وكثة ووجه أسود، وحالة يرثى لها يوقفني، عندما اقترب منّي عرفته وسلم عليّ بحرارة، قال لي: "بلاقيش معك خمسة شيكل". شعرت لحظتها بأسى الدنيا كلّه. أعرفه فقد كان ممن يجالسونني على أرصفة خانيونس من رهط الغلابة الذين يجمعهم الرصيف.. كان يأتي يوميا على إحدى بسطات الرصيف، وكان له روتين حفظه كل الذين يجلسون بما فيهم صاحب البسطة، يجهز له كاسة قهوة ورقية ونصف علبة سجائر نوع كينج عصر كل يوم. كان مكتفيا، ونفسه عزيزة، وإذا أردت أن تستفزه أشعره بأنّه محتاج.. وكنت والجالسون نمازحه من خلال تهامسنا عليه بأنّه محتاج.. فهو مريض أعصاب، وجسمه يرتجف كله. لكنّ الحياة قُلبت رأسا على عقب هنا، وأصبح أكثر الناس كرامةً متسولا.. ربّاه!