الكاتب: هاشم شلولة
بقايا حياة وبقايا مدينة وبقايا بشر... وكل هذه البقايا تنعكس على النفس، وتملأ باطنَها بالندوب والحسرة، فتهتز الروح وتستعصي عليها الاتجاهات. إنني أجاهدُ نفسي لأجل كتابة ما أشعر به، لأنّ ما أراه لا يمكن التعبير عنه، أو بالأدق لا أقدر على ذلك؛ لأنَّ شعورا بانعدام قيمة كل شيء يلاحقني كشبح، بما في ذلك الكتابة عن الواقع المذبوح من الوريد إلى الوريد الذي أعيشه.. ورغم ذلك؛ تأبى فلسطينيتي أن تترك ما أرى وشأنه، وتفرض عليّ أن أقول ما يجب قوله، أو أصرخ من وسط كومة الحطام، وهذا دأب كل فلسطيني عاش النكبات وعايشها وانعكست عليه وعلى المجال الذي يبدو فيه وجهه واضحًا.. مكتوبٌ علينا أن نحارب، كل واحد بطريقته. الحياة هنا أصبحت أضغاث حياة، بالمعنى التجسيدي للأضغاث، بحيث أنها خلعت نفسَها من نفسها بفعل فاعل، وعلى مرأى الضمير، والأخلاق العالمية الجديدة التي تنتقي أماكن فاعليتها..
الوجوه عابسة ومسودّة ومهزومة، الأجساد نحيلة ومُخدّرة، والأرواح ضائعة.. كل شيء فقد بريقه ومعناه، كل شيء صامت صمت القبور. كل ما تراه العين هنا أكوام من الركام، البيوت والشوارع والأماكن.. كلّها منهارة. كل ما تسمعه الأذن مجرد بكائيات على أطلال مدينة يبدو أنّها انمسحت من سجل التاريخ الحضاري، الحديث كلّه عن الذي كان قبل النكبة الجديدة التي نعيشها، وتناقُل للأخبار المُحبِطة التي تبثها وسائل الإعلام، وتزيد خيبة الأمل مع كل خبر.. الخدمات كلّها غير موجودة. لا ماء، لا كهرباء، لا صرف صحي.. الهواء ملوث والطعام والشراب، رائحة الصرف الصحي تزكم الأنوف، والغبار في كل مكان.. السيارات تعمل على زيت القلي بدلا من الوقود، ولهذا؛ فقدت انتشرت أمراض الجهاز التنفسي، وكذلك أمراض الجهاز الهضمي نتيجة الطعام والماء الملوثيّن.. الحشرات بكميات هائلة كالذباب والبعوض وحشرات غريبة ومتنوعة..
اللافت أنّ ٧٠٪ من سكان خانيونس (المدينة التي أعيش بها) عادوا إلى بيوتهم رغم كل هذا الدمار الذي قلته آنفا. منهم من عاش فيما تبقى من غرف صالحة من بيوت غير صالحة للحياة، وقد رأيتُ منهم من نصب خيمة فوق الركام في ظل غياب الخدمات وكل مقومات الحياة. إنهم يعانون بشكل فظيع في نقل المياه من أماكن بعيدة، وشحن هواتفهم وبطارياتهم وتوفير الطعام وما إلى ذلك من مشقة في كل شؤون الحياة الأساسية.. (تخيل أن تذهب مشوار مقداره كيلو متر كلما أردت أن تستحم) وهذا بالطبع ليس دليلا على الصمود البدائي والكاريكاتوري الذي تحاول فضائيات الممانعة وأتباعها إقناع العالم به؛ لتمرير مشاريع سياسية مشبوهة، بل مفاده "نار البيت ولا جنّة الخيمة".
هناك غلاء أسعار لم يحدث مثله في تاريخ العالم، وعلى صعيد الحروب كذلك.. أضف إلى ذلك أنّك تدفع ثمن ماء الشرب والاستحمام، وثمن ساعة تقضيها على الانترنت، وثمن شحن هاتفك وبطاريات الضوء البديل، وثمن لزجاجة ماء تقوم بتبريدها في هذا الصيف المشؤوم، وثمن لنَفَسِك لو كان ذلك بيد تجار الدم.. فقد وصل ثمن السيجارة الواحدة أربعين دولارًا ما يعادل ذلك ثمن كروز سجاير في الوقت العادي.. لقد رأيت فيما رأيت من المشاهد الفظيعة للتجارة، رأيت سيجارة تُباع بالأنفاس وأخرى تُباع بالسنتمتر، لدرجة أنّ البعض باعنا ورق الجوافة الجاف ملفوفا على شكل سيجارة، وآخرين باعونا الشاي ملفوفا على هيئة سيجارة. أضف إلى ذلك شكل المواصلات، حيث استُبدلت السيارة ب"الكارّة" وهي عربة خشبية يجرها حمار، والبقية عند من جرب معنى أن تركب الكارّة من دير البلح إلى خانيونس أو العكس.. سيارات نصف نقل، يركب بها أكثر من مئة شخص أحيانا، بحيث يظل الجميع واقفا خلال الطريق، الجميع يلاصق الجميع برائحة عرقه وثرثرته والشمس من فوق رؤوس الجميع تقول كلمتها الفصل.. وطبعا تعمل هذه السيارات على زيت الصويا المريب الذي يستأذن الجهاز التنفسي لقتله..
انتشرت الأمراض الخطيرة، وهذا أصبح معروفا بشكل واضح من خلال تقارير منظمة الصحة العالمية؛ التي بُحَّ صوتها من مناشدة العالم بالتدخل في الكارثة الصحية الخطيرة التي حاقت بشعب غزة.. حيث النزلة المعوية والريغان والأنفلونزا والاحتقان وضيق النفس والسرطانات وغيرها من أمراض الأجهزة الأساسية في جسم الإنسان، والتي تحدث نتيجة التلوث.. وهناك ما هو مسكوت عنه في هذا السياق كالأمراض النفسية، التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم.. زادت الجريمة بشكل مريب كانعكاس للأمراض النفسية التي سببتها الحالة العامة القائمة في قطاع غزة.. انتشرت ظاهرة العصابات وقطّاع الطرق وغيرها من ظواهر الفساد الأخرى، انتشرت الفواحش المتمثلة بالزنا والاغتصاب والسرقة.. انتشرت المشاكل العائلية وقد فقدت الكثير من العائلات ضحايا بسبب هذه المشاكل، وكل ذلك نتيحة للضغط النفسي الذي يعيشه الناس هنا.. كل غزة محشورة في ساحل ضيق، ومن أقصى جنوب ساحل خانيونس إلى أقصى شمال ساحل النصيرات تكاد لا ترى أصبعك من الازدحام.. الناس وخيامهم وسياراتهم وكاراتهم وبُسَطُهُم وصرفهم الصحي وأكلهم وشرابهم... كل ذلك في ذات المكان.. اثنان مليون إنسان يعيشون هذه الظروف غير الآدمية وبهذا الشكل من أشكال الاستباحة، أضف إلى ذلك أصوات الطائرات التي لا تتوقف ثانية واحدة، وخصوصا طائرة الاستطلاع (الزنانة) حسب تسمية أهل غزة لها.. الزنانة قصة أخرى، حرب أخرى ربما..
ويبدو أنَّ هناك حرب أخرى، يحدث التخطيط لها في الغرف المغلقة، وهي التجهيل والتعويم وتحطيم الإنسان الفلسطيني من خلال كيّ وعيه بهذا الدمار المريب جدا، وإزالة السقف الزمني الذي يخص هذه الحالة المهسترة من تاريخ الشعب الفلسطيني المنهك في قطاع غزة والمذبوح بسكين الجهات.. لقد مات الإنسان الغزاوي الذي كان قبل نكبة السابع من أكتوبر، وقتل معه إنسان اليوم الاستهلاكي منزوع الضمير؛ الذي يغذّي رأس المال فكرة استمراره المغشوشة في ظل هذه المذبحة المشتعلة الآن على أرض غزة المسكينة والوحيدة والمتروكة بيُتمها في مهب الريح دون مهديٍّ مُنتَظَر؛ يأخذ بيد هذه المسكينة ناحية النجاة، والنجاة فقط دون إضافات ولا تنظيف لمحل الجريمة، أو حتى شطف دمنا من على أرضية هذا العالم البليد..
الواضح أنَّ تلك الحالة المؤلمة والبائسة ستطول، وسنعيش في هذه البقايا سنوات طويلة، إن لم نمُت واحدًا تلو الآخر بفعل القصف أو الجوع أو المرض... لقد غُلب على أمرنا وهُزمنا، سحقنا الاستبداد الذي تمارسه علينا قوات حماس من جهة، والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحقنا من جهة أخرى، وحرب التجّار وغلاء الأسعار الذي لم يماثله غلاء في التاريخ من جهة ثالثة، والإعلام المسترزق التابع لقطر وإيران وهو يزور الحقيقة، ويقلب صورة الواقع النازفة من جهة رابعة... كل الجهات ضدّنا، ولسنا قادرين على فعل شيء. كل يوم يمر علينا نموت أكثر، ونفقد رغبتنا بالحياة، وتنحل علاقتنا بالجدوى ومعنى الأشياء أكثر. وحتى لو توقفت هذه الحرب التي لم يحدُث مثلها في التاريخ من حيث الدمار وغياب الأخلاق وتواطؤ العالم وصمته بينما نُذبَح أمام الجميع وعلى الهواء مباشرة.. وهو المطلوب، أن تنتهي فحسب. هل هكذا يكون الإنسان وتكون الحضارة وتكون الحروب..؟
ليس أمامنا الآن إلّا الصلاة لله، من أجل أن يوقف هذا النزيف، بعد أن انقضت حلول الأرض، وبعد الصلاة؛ الصمت الأبديّ المُتعَب بعد أن صرخنا كثيرًا، ولم يستجب أحد لهذا الصراخ.. حدادًا على موت الأخلاق والضمير والإنسان.. لقد تعبنا حقًّا يالله، وخذلنا الأقارب والأباعد.. يالله أوقف هذا، أرجوك.