التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في حب قاسم حداد

 الكاتب: هاشم شلولة.


في حب قاسم حداد.. مرّة بعد مرة.


لا يزال قاسم حداد يرقق هذا القلب، ويمسح بصوته عليه.. حتى يصير القلب طفلًا يتيما، والصوت نظرة حنان، كلّما صوّبت نحو وجه الطفل أبكته فيضا وعذوبة.. أنام على صوته، وعلى ذات الصوت أصحو.. وفي الهجعتين أُنسى في نفسي الشاعرة، التي جلّتها لغته، وأبرّت بأمومتها أوتارُه الصوتية الحكيمة.. وفي ولعي بقاسم حداد أصمت إجلالا، وكون الصمت تعبيرا معهودا للإجلال، فإني أكتب ما أكتب من صمتي احتفالا بوجوده في الحياة أولا، وفي القصيدة ثانيا.. لأنّ الصمت بكل امتلاءاته أقصر من قامة موقع هذا القاسم من الإعراب.. لذا؛ فإنّ الكلام الكبير يصبح بإضافته للصمت صغيرًا، أصغر من دموعٍ مخطوفةٍ من إرادةِ مَنْعِ البكاء على حين هذا الصوت المجروح.. 


قاسم حيث أنا/نحن وهم والذين شاهدوا الشاطئ، فلم يروا رملا وماء.. بل رأوا أنفُسَهم مُعادةً ومدوّرة؛ وبموازاتها رأوا الأنبياءَ الذين ارتبطوا بمواقد الأرواح وموائدها وهي تسأل عن القيامة.. عن أساس الجرح النبيل وخاتمة السير الطويلِ في عبثٍ يبدو عبثًا بكُلِّه وكليله.. لكنّه في الأحشاء حكمةٌ تُشعلُ الحطب تحت حياةٍ مُحاقة، فتبدأ الحياة ويموت الموت.. ويحدث الشعر، الشعر الذي هو قاسم، وهو الشعر.. ولحنحرته الذبيحة التوقيع الجليل على رِقاع من لهم تاريخ حزين ممن قالوا الشعر مرّة، وعشقوا قهرَه، أو أنّهم استذأبوا بالشعر عِوضًا عن حياة نخّلت صلابتهم.. فصاروا سائلا يماثل دمعا، ولا يشبه الآخرين.. 


يختم قصيدته "انتحارات" بهذا المقطع الذي يفعل فعل الصعقة الكهربائية، بقلبي.. فيوقفني ذليلا بين مطرقة كبحي لجماح الدراما البكّاءة في وجداني وسنديان التأثر بالغ الحساسية بما يمليه على قلبي صوتُ قاسم، يقول: 

"لماذا لنا وحدنا أن نرمم إرث الضغائن بالشعر 

كي نستحق اللحاق بكم،

ولكم وحدكم رغبة في الغياب كما تشتهون. 

أيها الأصدقاء الحميمون

ماذا سيبقى من الشعر يقرأه الآخرون علينا 

لننقذ أرواحنا بغتةً

ريثما يسترد الخصوم طبيعتهم في الكتاب 

وينتحرون" 


وأستغفر الشعر لي وله، ولكل تحيةٍ رُدّت على أحدٍ، وفي النفس طيفٌ لقاسم الكبير، العزيز وشيخنا. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...