الكاتب: هاشم شلولة
مرحبا عزيزتي:
بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.
كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي: خلفُك المدينة التي تحب، المرأة الجميلة التي ليس لك فكاك من تخيُّلها على مائدتك تسرح وتمرح.. من أجل التهام أبجدها الخافت كصوتها وصومها وصورتها.. ومن أجل أن تعيش هذه الحرب بأمل الضحايا العاجزين عن خيالات أخرى تقضي بالنجاة.
الحقيقة أنني في الفترة الأخيرة ملاحقٌ بشعور الفقد لكلّ شيء، الفقد الذي يصل إلى حدِّ الخسارة، فيصيرُ الخاسرُ الذي فيّ منطقًا مقرِّرًا بأنَّ كلّ شيء هو لاشيء، وهو محض فراغ غيرِ مَبْكيٍّ عليه.. ترتخي اليدُ المُمسكة بالأشياء، ويعلو صوت التسليم النهائي للمصير.. أصلُ كثيرًا إلى هذا الحد من التعب، التعب الثقيل الذي يحرف الرؤى والعناوين.. دعيني أخبركِ بأنَّ كلمة "مشتاق" الكثيفة، وليست السهلة في سياقنا.. تكون عندما أصل إلى هذه المرحلة، ولا يعني ذلك أنّ كيانَكِ مجرد هامش، بل هو مربع يحتاج إلى عافيةٍ لتفعيله وتحويله إلى طرحٍ جهريّ.. في هذه المرحلة؛ تسقُط الاعتبارات وتتلاشى الحواجز.. فلا يعُد خوفي خائفا مما قد يخدش الكبرياء، أو يحدد منطق العلاقة بيننا.. وقد بدأ ذلك فكرةً طُبّقت بشكلٍ لا بأس به من أشكال توقُّعي لتطبيقه، فتدرّج وأصبح مسكونًا بانتظارك وتفكيري.. صرتِ يا امرأة شكلًا من أشكال الحياة المؤجّلة، والتي ترمي بنفسها في حضن الحياة والمعنى اللذين يكبران كلّما استشعرتكِ أقرب.. لقد فقدتُ كل ما يعينني على مواصلة الطريق، وهذه حقيقة تضعني أمام مفترق كبير، إما الحياة وإما الموت بأي شكل من أشكاله.. فجئتِ بهذا التدرُّج إلى تلك الزاوية السوداء، وانتشلتِ الخيال، فصرتِ إكسيرًا له.. وصرتُ في كلّ مرة أُهزَم أنتصر بكِ، متخيِّلًا إياكِ، تحملينني من هذه الحفرة التي لا قرار لها، وتمشين بي نحو الميناء الذي أستنقذ بأبجديته نفسي من ويلات الحرب والحب والموت والحياة الكبيرة..
لا أدري إن كان الكلام الكثيرُ عن الحب الذي يصاحب التعب قد أصبح تراتبيا أو مملا؛ إذا ما اقترن الأمر ببدايةٍ ما، بطريقٍ ستولد من غيمة الشِّعر الأبدية.. لكن السؤال: لمن يكون بلاغُ الشجرة عندما يستقبل المنشار قِبلةً أخرى من الساق!. أنا الساق الذي أوجعته المناشير، وقطّعت قلبَه الزمنية.. أكثيرٌ على قِطع القلبِ يدٌ تجمعها!.
في كل وقت وحين، أراكِ، أتخيّلُك مستعيضًا بكِ عن كلِّ ما قد يموت من خيالي لما بعد الحرب، وبعد هذه الطريق الشاقة التي أشكّ في نهايتها وبدايتي ومجمل المراحل التي قد أمرّ بها وتمر بي... أنا يائس؟. آه يائس جدا من كل شيء إلّا روح الله وبعد روحه؛ روحكِ.. وهل أرق وأعذب من هاتين الروحيّن مع الفارق الجوهري بينهما، فلله غيبه ولك الحضرة.. بلا توازٍ أو مقابلة.
في مرحلة من المراحل، أهيمُ على وجهي، وصدقا.. صدقا؛ يقف كل شيء وكل منطق وقفة المحتار.. رغم امتلائي بكِ، وامتلائي بما أريد قولَه، أكون جاهزًا ومرتِّبًا لما سأقوله لكِ، وبه أبوح.. لكن ورغم الفيض الذي تعينني عليه اللغة، إلّا أنَّ حقيقة التعبير تتوه في بيادي الشعور وسكراته.. ربما أقول ما أريد لكن ليس بالشكل الذي أريد.. هكذا ببساطةٍ وحلم ورويّة وتشتت.. يكون بودّي أن أرتفع بكِ عن كلّ أرضيٍّ سافل، أو أهبط بكِ من كل سماويٍّ عالٍ.. بودي الطواف حولك ككعبة، مسبِّحًا باسمكِ قائلا بعد التسابيح كلّ الذي أريد قولَه.. فربما يكتمل النداء، أو يقترب في شبهه من حقيقة ما في هذا القلب المثقوب، الذي صقلته الروايات الصاخبة لكل الذي رآه في هذه الحياة الشاقة، المسكونة بما يناقضها ويوازي الرؤوس المثقلة بالحب الممنوع، الذي تحول تفاصيل الجرح بينه وبين التجسيد..
يوم آخر، وكلام آخر.. أنا مريض، وملقى كقطعة قماش بالية، وشعور ابن كلب بالعجز التام والنهائي.
لطالما أسرتني فكرةُ الاعتراف بشكلها الرهبانيّ الرفيع، لأنني أراها منقذا من مشقة كبيرة بالمنطق النظري.. أو فكرة تلامس الشاعرية ولا تلمسها.. لكنّها كلامٌ يجرح، يتخلّى عن جراحه قليلًا، ويخرج للهواء.. للرحابة المطلوبة من الكون. بالإمكان أن تكوني هذا الراهب، ولو قليلًا بطلبٍ مُجابٍ منّي.. لقد فقدتُ شهيّة الحياة، أو بمعنى أدق؛ فقدتُ ما بقي منها. أعيشُ الآن بجسدٍ هزيل ووجه شاحب ووجهة عمياء.. أشعر بالبتر الكبير لكل شيء، وهذا أقسى ما قد يواجه إنسان، شعور البتر مؤذٍ جدًا.. ورغم إيماني العميق بروح الله، الذي ذكرته آنفا، إلّا أنه وبتركيبةٍ موازية؛ فإنني أفكّر في الانتحار تفكيرًا جديًّا ومضطربًا الحقيقة، نابعًا من تخيُّلي للإيمان، أو الانتحار الذي يغاير مسمّاه، بمعنى أنني أريد الذهاب إلى مكان محتدم المعارك، وأترك نفسي لرصاصةٍ أو صاروخ.. أموت بذلك ميتة تعفي روحي بعد النهاية من الإيلام بالافتراضات.. أريد الهروب إلى الله من أي وكل شيء طامحًا بملاقاته، والشكوى الطويلة له عن مدى الألم.. أريد محاججته له، فأقداره العادلة التي لطالما سلّمت نفسي لها تبدو وكأنّها شديدة الحدة، ولا تأخذ الأرواح ومستوى ثباتها واحتمالها بعين الاعتبار، وهذا ليس طعنا في الأقدار، لكنّي وبطريقة مؤدبة عاتب على لغة الله ومطلق حسمها.. وهذا حقّ لي كمؤمن.. وحق صنعته التجربة المؤلمة. لكنه غير مبرر إن كنت أعتبر نفسي مؤمنًا.. مُسلّما بفكرة أن لا دخل لي فيما يقضي به الكبير والمالك والمتصرف.. لكنّي متعبٌ ويائس ومريض.. ولم يسعف الإيمان الذي أفهمه جيدا وأتبناه بدقة دخيلتي الهشّة.. كيف يمكن أن أوصل لكِ أنَّ الحياة لم تعُد الحياة بالنسبة لي، ولم تعُد تلك التي تُعاش!. رغم أنّك _وهذا اعتراف آخر اعترفته ضمنا في وقت سابق من هذه الرسالة_ برزتِ لعقلي في وقت مناسب، تبدين مهديةً منتظرة لهذا القلب الرقيق والمعذب.. لكنّك بلغة أكثر موضوعية لستِ أكثر من لحظة أرمي بنفسي في حضنها، لستِ أكثر من صورةٍ أتّكِئ عليها، ويبدو أن وحشَ اكتئابي بدأ بالتهامك شيئا فشيئًا.. وصارت الصورةُ عرضةً للنهش من زمن الموت الخرافيّ الثقيل.. لطالما حلمت بكِ في النوم وفي الصحو وفي كل لحظة تُركتُ فيها لنفسي، رأيتكُ على "طريق غياب" زي م خبرتنا فيروز.. وأطلتُ النظر بكِ، رأيتُ فيكِ حياةً جليلة كجلال ما أدركته فيكِ، ودعاني لأكون طفلًا بين يديكِ.. وجميلة كجمال الطريق التي نقف على جوانبها ومفترقاتها، ونسأل عن غدٍ حالم، يفتح للولد والبنت ذراعيه، ويضمهما بعيدًا عن جحيم الحياة.. لكنّي وبدمعةٍ لذيذة أعلن الهزيمة أمام ما من الممكن أن تثيره هذه الاعتقادات فيّ من حياة وحلم وتمسّك بهذين المشهديّن.. ليس لأنّك أقل من إنبات الحياة في نفسي، بل لأنني أتألّم أكثر من أي شيء، وأعيش في ضلال كبير.. وأريد بالموت المُنتَظَرِ والمرجو إنقاذَ نفسي من فقدان البوصلة.
"أوڤيليا الحسناء.. اذكري في صلواتِكِ كلَّ خُطايّ"