الكاتب: هاشم شلولة
إلى أخي البعيد مسافة، والمتربّع في زوايا القلب من وسط الحرب، ابن الروح الذي هجرها واغترب في بلاد الله البعيدة.. إلى: عبد الوهاب.
كان عليك أن تتأخّر قبل أن تغادرني أنا.. أنا يا عبد الوهاب.. أنا الذي قال أنّك أوضح نقاط ضعفه، وأبعدها عن الملامسة وأكثرها توغلًا ودواما.. كثيرون يبهت غائبهم حين يصبح الزمن أطول، لكنّي من قليلين يكبر جرح غياب من يحبونهم كلما اشتد عود الزمن وشارف على محو أحبابهم من الذاكرة، يكبر جرحهم وهم يشاهدون أغلى ورداتهم ثمنا تذبل تارّة وتتفتح أخرى وهي بعيدة عنهم.. يتوهون كلّما تذكروا وجه من أحبّوهم، ويضيعوا كلّما اقترب شبح النسيان من جسد الذاكرة الذبيح..
من يُشعرك بحجمك الحقيقيّ في القلب وأنت هناك!.. هناك في البلاد الباردة التي تُحجم عن المؤنسين والمُستأنسين، وتذرُك في عالم وحشٍ غريبا واحدًا وبلا أخ مثلي يا أخي.. يا حبيبي.. يا ذروة سنام مشاريعي في الحياة والحلم والأمل والمعنى.. بيد أنّي لا أدري من بوّأك تلك المنزلة منّي وفيّ.. ربما هي لعنة العائلات الصغيرة؛ التي تكتسب من حجمها الصغير شاعريتها في الحب والتعلّق والتعلل والذبول المجانب لغياب صغارهم.. تلك الشاعرية التي تكبر فتصير هوسا بمن يحبونهم، وتألفهم القلوب فتمارسهم كأنّهم طقسٌ ثابت من طقوسها.. أبديّ يكوي قرارات تقليلك يا كثيري.. يا أكثر أشيائي وأدومها وأيقنها..
آه يا عبد الوهاب.. آه يا حبيبي.. وقد فعلتُها يوما، وصدّقت أنّك قد تبعد عنّي مقدار مترين أو بلدين أو مسافتين أو دمعتين... تترك عيوني التي كانت تلاحقك كما يلاحق طيفٌ قامة السائرين في طرقاتٍ مجهولة المعالم والباحثين عن عناوينهم في هذه الدنيا القليلة وكثيرة الطعنات.. من يشاهدك بصمت وأنت تكبُر رويدا رويدا فيبكي كلّما خلا بنفسه ويسائل عينيه عن سرّ البكاء! من يراقب حاجاتك من بعيد ويباغثُك بسدّها كأنّ الحادث مصادفة.. فتزهو ويزهو لزهوك! أيهون عليك! أأهون عليك أن تتركني دون أن أحدّق كلّ مساء في أسرارك وأبحث فيها عني وعنّك! ألا يعزّ عليك أخًا رهن نفسه للمحبسين حزنًا وحسرة عليك بينما تناديك نداهةُ العمر؛ لتسرقك وتحجبك عن عيني يا ثمرتي التي يعزّ عليّ تحييدي عن سقايتها..
قد أتفهم المسافة الكونية بين الأخوة، وكيف أنّ للحياة شؤونها غير المرضية وقوانينها التي من ضمنها ممكنُ تناثُرِ الأخوة، تفرُّقِهم بين الأمكنة.. لكنّي لم ولا ولن أتفهم أنّك يا عبد الوهاب تعيش هناك غريبا، وتغادر بغربتك تلك الرابطة العجيبة بيننا والحميمية حد الخرس.. التي تبدو واضحةً في علاقتنا كأخوة في التفاصيل والتفاسير، في صراعك الداخلي المرتبط بسؤال المفاضلة بين الأخوة، السؤال الذي لا تعرفه أو تدركه لكنّه حاصل فيك قهرا.. لبطولة اسمها أخوك الأكبر الذي أحبّك يومًا حبًّا لا يشبه حب الأخوة.. بل حبّ أبٍ لضناه الذي وهبه عمره وتاريخه.. وعلى إيقاع هذا الحب عاش أبدا، عاشك أنت يا عبد الوهاب.. وحلم بك وتقطّعت في قلبة الأنوار، أطفأته الحياةُ برياحك..
عبد الوهاب من حيث مكانه من الإعراب في قلبي فاعلٌ مرفوع بضم القلب في حضن الحياة.. لكنّه كفاعل هجرَ فاعليته اللغوية والوجودية؛ ترك القلب بلا مكان من الإعراب، فتُركت برجفتي في براحٍ موحشٍ وقارس دونما حياة تمدّ أذرعها لقلبي؛ لشدّ ما فكرت في حياته بعيدا عنّي.. انشغلتُ به، ولم أعِر الحياة انتباها لتضمني مرة بعد سببيته في ذلك.. فقد كان عبد الوهاب التمام المُفضي إلى الحياة.. إليّ.. إليّ أنا أوضح الرموز والأيقونات التي تعكس حبَّ الأخ الأكبر لأخيه الأصغر..
لن أسامح الحياة والحرب والظروف التي تعيشنا ونعيشها، لأنّها قضت أن تقدّر بيننا مسافة بعيدةً وجارحة وحرجة.. كالتي بيننا. لن أسامح الأوطان لقسوتها الغليظة في حقّ أخٍ يحب أخيه بهذا الحجم من الحسرة على الغياب الطويل ومجهول السقف الزمكاني.. ولا يرجو من هذه المقتلة المسماة الحياة إلّا أن يرى أخاه الأصغر يكبر أمام عينيه، يفرح لهذا النمو ويبكي سعادةً به.. يراقبه وينتشي تلك النشوة وهو يرى أخاه الطفل شابًّا أمام عينيه.. لكنّها الأقدار المحتاجة للجبابرة من أجل التسليم بها ولها ولقوانينها وإملاءاتها..
لقد سافر عبد الوهاب قبل أقل من عام إلى بلاد بعيدة.. بعيدة جدا عني من حيث المسافة، وقد بكيت كثيرا عليه، بكيت للدرجة التي لم أعُد فيها قادرا على البكاء.. إنني أتألم الآن دون بكاء، وأراكم في قلبي فعل الأيام التي تزيد من حجم غيابه.. وأخرس أكثر، أشتاق إليه وأخرس.