الكاتب: هاشم شلولة
ينزعُ الحزن جلودنا مثلما تفعل سكينٌ بجسد الذبيحة. ينزع قداسةَ أسرارنا، ثقلَ هواجسنا المكوّمةِ في أقاصي النفس وعند مفترقات الإبداع الذي فينا. لطالما صدّقنا الفن، توسمنا فيه الخيرة فيما اختارت لنا حوادث الدنيا. لكن، أينه الآن منا؟ نحن الذين فقدنا المصاطب التي عشنا عمرنا متّكئين عليها بكل أحمالنا، وأورثتنا إياها النوائب.. صدّقنا أنّه يشبه أبوينا عندما تبتُر الوقيعةُ دورهما، لكنّه اعتدل في جلسته، وقال: عقيم. لم يشبه كلُّ شيءٍ كلَّ شيء أمامنا، وقتما اعتقدنا أنّ الشبهَ آيةُ مُلكِ مَن استوى فوق عرش القصيدة. تلونا تعاويذ من مرّوا بالطغاة كثيرا، فمرّوا بهدوء وبطيبة خَرسٍ وإثمٍ خفيّ.. كأنّ طيننا يبغضُ حدّة المرويات وخفّة المروج والمسلكيات.. نمرّ عبرنا، ونعبر مرّنا.. وقد كان صاحبنا ينظر فينا ولا يرانا؛ لشدِّ ما انطفأت فينا عواهن وكوامن وأخيلة... أترى أيها الصاحب إلى هذا الحدِّ دواخلَنا وأسقامًا ابتلعناها جيلًا فجيلا ونكسةً فنكسة وغضبةً فغضبة.. الله ما أثقل أحجية النواطير! عندما تدرأ هذي الأحجية فتنةَ الوضوح وتتجاسر فيها مصائر الأبواب في معركة خاسرة؛ لا يحدث فيها إلا الدم والغم والتردد ويُتم الأولاد... مِهٍ مِهٍ أيها الأولاد الطيبين، ويكأنكم تشربون السمَّ أول مرّة، ويكأنّكم تُذبحون أول مرّة، ويكأنَّ صلاةَ الحزن زادت عن عمرها ركعة واحدةً في محراب هذه البقعة الخرقاء من أرض الخوف والبلاغة المشبوهة والأهجيات... وقد كانت روايتُنا تؤمّ القلم؛ لكونها مكتوبةً قبل كتابتها بالدم والحسرة وانعكاسات التصدُّع الأبديّ العتيق... وتبحث في ظُلمتِنا عن دليلٍ يقود الفتيان إلى مستعمرة ذواتهم؛ كيّ يألفَ الغرباء غربتهم، وتجوس عتمتهم خلال الديار؛ ليكونَ الوعدُ المفعول والوصول المأفون... هكذا، وبكل تجرّد من المأساة، بكلّ انحراف عن اليقين وعن الشكّ في آن.. نبتلع الزمنية، فتظلّ في أمعائنا تهتز، ومع كل اهتزازة يولدُ فينا عاصٍ لأسطورته ورافضٌ للقَبَس.. عارٍ من حقائقه وآياته ومعاوله... ليأتي سؤال استنكاريٌّ من أقصى المدينة يسعى، مسرعًا مخترقًا حشودَ التشوهات بطريقة ميلودرامية.. أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو عبث؟. اهبطوا طروادة؛ فإنَّ لكم فيها ما سألتم.. عبثٌ هذا وذاك وحكمة ما نقول... بعد أن نهل النواهل من بحيرات الدم الممتدة حتى أواخر ما نقول ونقصد وننهار... مِهٍ مِهٍ أيها الأولاد الطيبين، وأنتم تحرثون البحيرات بحثًا عن قيمة أو طلعة أو سيمة.. فلا تجدون إلّا تواريخ عريضة من الأخطاء والخطايا وبكاءات الرجال المهزومين القلقين والموتورين والرعاة.. فالله الله من عظمة الخوف وهو واثق من حكمته وحذره! الله من غيبٍ كشفَ غيبَه! الله من نفس حزينة؛ يكابدُ جهلَها العلمُ بالأشياء والأحوال وسِيَر الحُفاة.. أطلب الآن من حزني أن يستقيم، كيّ لا أنشغل بميّل رَكْبِه عن الطريق، فلا أصل إليَّ.. أنا الذي لا زلت أريد الوصول بكل هذا اللهاث، وبعد كل هذا التراكم لكل للأسئلة الواهمة الخاطئة، والمرويات وكل هذا الدم.. أوّاه من هذا الدم! أوّاه من هذا الدم! أوّااه!